لم يعد الصراع بين الولايات المتحدة وإيران محصوراً في الخليج العربي أو مضيق هرمز، بل بدأ يتمدد جنوباً نحو البحر الأحمر، حيث يبرز مضيق باب المندب بوصفه الجبهة الأكثر حساسية في المرحلة المقبلة.
ومع تصاعد التوتر بين جماعة الحوثي من جهة، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى، تتزايد المؤشرات على أن اليمن قد يتحول إلى ساحة المواجهة التالية في الحرب الدائرة بين واشنطن وطهران، بما يحمله ذلك من تداعيات تتجاوز حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي وأمن التجارة الدولية.
ويأتي هذا التحول في وقت حافظ فيه الحوثيون، خلال المراحل الأولى من الحرب الأميركية الإيرانية، على مستوى محدود من الانخراط العسكري، مكتفين بعدد من الهجمات ضد إسرائيل، في انتظار اتضاح اتجاهات المواجهة بين طهران وواشنطن. غير أن التطورات الأخيرة داخل اليمن، إلى جانب عودة التوتر مع السعودية، دفعت الجماعة إلى تبني خطاب أكثر تصعيداً، ما أعاد باب المندب إلى صدارة المشهد الإقليمي.
ويعكس هذا التحول إدراك الحوثيين لأهمية موقعهم الجغرافي في معادلة الصراع. فبينما يمثل مضيق هرمز ورقة الضغط الإيرانية التقليدية على أسواق الطاقة، يمتلك الحوثيون القدرة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبر منه نسبة كبيرة من تجارة العالم وشحنات النفط المتجهة إلى أوروبا وآسيا.
وتشير التطورات الميدانية إلى أن اليمن لم يعد مجرد ساحة داخلية للصراع، بل أصبح جزءاً من استراتيجية إقليمية أوسع. فقد شهدت مدينة الحديدة، المطلة على البحر الأحمر، تصعيداً عسكرياً متزايداً، في حين استهدفت قوات الحكومة اليمنية مدارج مطار صنعاء الدولي، وهو ما اعتبره الحوثيون محاولة لمنع وفد تابع لهم من العودة من طهران.
وسرعان ما حمّلت الجماعة السعودية مسؤولية الهجوم، وردت بإطلاق صواريخ باتجاه أراضيها، قبل أن تعلن لاحقاً فرض حصار على الملاحة السعودية في باب المندب، وتستهدف ناقلتي نفط في البحر الأحمر.
ويمثل هذا التصعيد نقلة نوعية في طبيعة المواجهة، إذ لم يعد التركيز مقتصراً على تبادل الضربات العسكرية، بل امتد إلى استهداف خطوط الملاحة والطاقة، وهو ما يهدد بتحويل الأزمة إلى قضية دولية تتعلق بأمن التجارة العالمية.
وفي هذا السياق، تبدو تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ"عقاب عسكري كبير" للحوثيين وإيران محاولة لردع أي خطوات قد تؤدي إلى إغلاق باب المندب أو تعطيل الملاحة فيه. فالإدارة الأميركية تدرك أن أي اضطراب في هذا الممر البحري ستكون له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل ارتفاع أسعار النفط وتزايد المخاوف من تعطل سلاسل الإمداد الدولية.
كما أن واشنطن تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم أحد أبرز أذرع إيران في المنطقة، وبالتالي فإن أي تصعيد من جانبهم يُقرأ في إطار استراتيجية إيرانية أوسع تهدف إلى توسيع ساحات الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.
ومن هذا المنطلق، فإن استهداف الملاحة في البحر الأحمر لا يمثل مجرد تحرك يمني، بل رسالة سياسية وعسكرية مرتبطة بمجريات المواجهة بين واشنطن وطهران.
وفي المقابل، يسعى الحوثيون إلى تقديم تحركاتهم باعتبارها جزءاً من مواجهة ما يصفونه بـ"الهيمنة الأميركية" والدعم الغربي لإسرائيل، مؤكدين أن أولويتهم هي التصدي للتهديدات الخارجية، رغم استمرار الصراع الداخلي في اليمن.
إذا كانت إيران تمتلك القدرة على تهديد الملاحة في الخليج، فإن الحوثيين يوفرون لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدرة إضافية على الضغط من الجهة الجنوبية للبحر الأحمر، بما يوسع نطاق التأثير على حركة التجارة والطاقة العالمية.
كما تتهم الجماعة السعودية بالمشاركة في حصار اقتصادي يستهدف مناطق سيطرتها، وبالمساهمة في دعم العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية في المنطقة.
وتعكس هذه المواقف أن الجبهة اليمنية لم تعد منفصلة عن بقية ملفات الإقليم، بل أصبحت حلقة ضمن شبكة مترابطة تشمل إيران ولبنان وغزة والبحر الأحمر.
ولذلك، فإن أي تصعيد في باب المندب ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات المنطقة بأكملها.
وتزداد خطورة هذا السيناريو إذا ما أقدم الحوثيون على إغلاق المضيق بصورة كاملة أو توسيع دائرة استهداف السفن التجارية. فمثل هذه الخطوة قد تدفع الولايات المتحدة إلى تدخل عسكري أوسع، وربما تشجع الحكومة اليمنية والسعودية على شن عمليات واسعة ضد مواقع الحوثيين، انطلاقاً من تقدير بأن انشغال إيران بمواجهة الضغوط الأمريكية سيحد من قدرتها على تقديم الدعم المباشر لحلفائها.
كما أن تداعيات أي مواجهة في باب المندب لن تقتصر على البعد العسكري، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي. فتعطل الملاحة في البحر الأحمر سيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن، وإطالة مسارات التجارة الدولية عبر رأس الرجاء الصالح، فضلاً عن زيادة أسعار النفط والسلع، وهو ما قد ينعكس على معدلات التضخم في العديد من الاقتصادات الكبرى.
وفي هذا الإطار، يبدو أن باب المندب يتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط موازية لمضيق هرمز. فإذا كانت إيران تمتلك القدرة على تهديد الملاحة في الخليج، فإن الحوثيين يوفرون لها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قدرة إضافية على الضغط من الجهة الجنوبية للبحر الأحمر، بما يوسع نطاق التأثير على حركة التجارة والطاقة العالمية.
ومع ذلك، فإن استخدام هذه الورقة ينطوي على مخاطر كبيرة. فإغلاق باب المندب أو تعطيل الملاحة فيه قد يدفع المجتمع الدولي إلى تشكيل تحالفات عسكرية جديدة لحماية الممرات البحرية، كما قد يمنح واشنطن مبرراً لتوسيع عملياتها العسكرية ضد الحوثيين، وهو ما قد يعيد إشعال الحرب اليمنية على نطاق أوسع بعد سنوات من محاولات التهدئة.
ولم يعد باب المندب مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحول إلى أحد أهم مفاتيح الصراع الإقليمي. فمع استمرار المواجهة غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، وارتفاع منسوب التوتر في البحر الأحمر، تبدو الجبهة اليمنية مرشحة للعب دور حاسم في تحديد مسار الحرب.
وإذا تحولت تهديدات الحوثيين إلى خطوات عملية تستهدف إغلاق المضيق، فإن الأزمة لن تبقى إقليمية، بل قد تتطور إلى مواجهة دولية تتجاوز حسابات الأطراف المتصارعة، وتضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار جديد.