استكمالا لما تناولناه في المنشور السابق حول استئثار العائلات والمحسوبيات بملف الابتعاث وتهميش المتفوقين، نكشف اليوم جانبا آخر لا يقل خطورة أورده تقرير "لجنة مراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث" (27 فبراير 2023م)، يتعلق بالنزيف المالي المهول للعملة الصعبة والتجاوزات القانونية والتزوير الذي وثقته اللجنة بالوثائق والأرقام الرسمية.
تكشف معطيات التقرير عن حجم صارخ للهدر المالي؛ حيث تدفع الدولة مبالغ باهظة كرسوم دراسية تصل إلى 7500 دولار سنويا للطالب الواحد في التخصصات الطبية (6000 دولار رسوم + 1500 رسوم قيد)، و4500 دولار للتخصصات الإنسانية مثل علم النفس والتربية، لتبلغ الرسوم المصروفة في دولة واحدة كجمهورية مصر أكثر من 1.22 مليون دولار في عام واحد لـ 237 مبتعثا فقط، وهو ما يعادل أكثر من نصف ما تنفقه الدولة على الرسوم الدراسية في بقية دول العالم أجمع. وفي مقابل هذا النزيف، أظهر فحص الكشوفات تساهلا كبيرا أدى إلى إيفاد حاملي معدلات متدنية جدا في الثانوية العامة (في السبعينيات والستينيات وحتى الخمسينيات) لدراسة تخصصات هامة بالوساطة والمال، فضلا عن إضافة طلاب بوثائق ناقصة وتمرير ملفات لا تحتوي على شهادات ثانوية أصلية أو مجرد صور عبر الواتساب.
أما ملف التزوير والانتحال فقد بلغ مستويات غير مسبوقة وثقها التقرير؛ إذ استغل البعض الخط المفتوح للتوجيهات العليا للقيام بتزوير توجيهات صريحة لرئاسة الدولة، إلى جانب التغاضي عن حالات تزوير مؤكدة لنتائج شهادات الثانوية العامة لطالبين فاشلين أحدهما صدر له قرار إيفاد بالرسوم والمساعدة المالية بتوجيهات عليا. والأدهى من ذلك وصل الأمر إلى انتحال توقيعات المختصين والقيادات داخل الوزارة نفسها، ومنها قضية انتحال أكثر من 80 توجيها وتوقيعا مزورا لوكيل قطاع البعثات أدت إلى إدانة موظف في الوزارة أمام محكمة الأموال العامة بعد ادعاءات بدفع مبالغ مالية عبر سماسرة لتمرير تلك الملفات.
ولم تسلم المؤسسات العسكرية والدبلوماسية من هذا العبث؛ فقد أظهرت ملفات مبتعثي وزارة الدفاع انعداما كليا للوثائق والقرارات الرسمية لغالبيتهم، وابتعاث أشخاص لا ينتمون للمؤسسة العسكرية أصلا في تخصصات مدنية لا علاقة لها بالدفاع ك العلوم الزراعية في ألمانيا، في وقت تخوض فيه البلاد معارك ميدانية وأزمات أمنية وجبهات مشتعلة. يرافق ذلك خرق صريح لقانون الابتعاث بتكديل أبناء أعضاء السلك الدبلوماسي بواقع 4 و5 أبناء للدبلوماسي الواحد، مع الاستحواذ على منح التبادل الثقافي المجانية المقدمة للسفارات (كمنح جامعة الأزهر التي تبلغ 100 منحة سنوية) والتصرف بها وتقاسمها بعيدا عن رقابة وزارة التعليم العالي والمفاضلة.
إن استمرار بقاء طلاب متعثرين في كشوفات الابتعاث منذ الأعوام 2010 و2011 و2012 وهم يستلمون المساعدات المالية بعد مرور أكثر من 10 إلى 12 سنة دون تحقيق أي تقدم علمي يذكر يمثل صورة مؤلمة لإهدار المال العام، ويؤكد أن إصلاح هذا القطاع يقتضي تغييرا شاملا وفرض الشفافية لإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص وحماية حقوق الطلاب المتفوقين من أبناء هذا الشعب.
إقطاعيات الابتعاث: عندما تسرق فرص المتفوقين لصالح المحسوبية
المنح الدراسية في الخارج لم تعد معيارا للكفاءة أو الاستحقاق العلمي، بل تحولت وفقا لمعطيات تقرير "لجنة مراجعة قوائم المبتعثين في الخارج وآليات الابتعاث" ( 27 فبراير 2023م) إلى إقطاعيات عائلية وشبكة للمحسوبية والمجاملات السياسية والاجتماعية.
تكشف الأرقام والبيانات الواردة في التقرير الرسمي عن حجم الفجوة العميقة وغير العادلة في إدارة ملف الابتعاث؛ ففي الوقت الذي يدفع فيه المواطن العادي وأبناؤه ثمن الظروف القاسية وتضحيات الدفاع عن الوطن، توزع المقاعد الدراسية والمساعدات المالية على أسر النافذين والمسؤولين والدبلوماسيين. وفي المقابل، يمارس الظلم والحرمان بحق الطلاب المجتهدين والمتفوقين من أبناء المواطنين العاديين، الذين بذلوا سنوات من الكد وسهر الليالي وحققوا أعلى المراتب العلمية، ليجدوا أنفسهم خارج حسابات الدولة ومحرومين من استحقاقهم الطبيعي.
الخطورة التي وثقتها اللجنة لا تكمن فقط في استنزاف المال العام وتسخيره لخدمة شبكات النفوذ، بل في الطرق الملتوية والتلاعب بالبيانات؛ حيث تلجأ بعض الفئات إلى تعديل الألقاب والأسماء للتحايل وتضليل الرقابة، أو إحلال الأقارب محل المتخلفين عن المنح وكأنها ملكية خاصة تورث، وصولا إلى استئثار عائلات بعينها بعشرات المقاعد مقابل حرمان مؤسسات تعليمية وجامعات حكومية كاملة كجامعة إقليم سبأ التي لم تحصل إلا على مبتعث واحد.
إن استمرار هذا العبث المزمن يجهز على مبدأ تكافؤ الفرص، ويقتل طموح الكفاءات الحقيقية المتفوقة من أبناء هذا الشعب الصابر، ويمثل مظهرا صارخا لغياب الشفافية والمحاسبة في إدارة أحد أهم الملفات التعليمية والسيادية.
سمير سعيد فارع
من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك