آخر تحديث :الإثنين-27 يوليو 2026-01:13ص

تهديدات الحوثيين… أكبر منهم!

الإثنين - 27 يوليو 2026 - الساعة 12:51 ص

خير الله خير الله
بقلم: خير الله خير الله
- ارشيف الكاتب


على الرغم من كلّ التصعيد الذي لجأوا إليه والذي استوجب ردّا للتحالف الدولي، لا يستطيع الحوثيون أكثر من إزعاجات. لا يستطيعون إغلاق باب المندب، أي مدخل البحر الأحمر. أقصى ما يستطيعون عمله هو ضرب سفينة أو ناقلة سعودية أو تابعة لبلد آخر. لكن موضوع فرض حصار على الموانئ السعودية أكبر من الحوثيين ومن إيران نفسها.


يستحيل على الحوثيين تنفيذ تهديداتهم بفرض حصار على الموانئ البحرية السعوديّة. كلّ ما في الأمر أن الحوثيين فوتوا، عبر كلام كبير فارغ يطلقونه، فرصة أن يكونوا جزءا من اللعبة السياسية في اليمن، وهي لعبة تستهدف التوصل إلى تسوية سياسيّة لا تستبعد أي طرف.


بانحيازهم المكشوف إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة”، أخرج الحوثيون نفسهم اللعبة السياسيّة في اليمن. اثبتوا بكل بساطة أنّهم إيرانيون وأنّهم ليسوا يمنيين وأنّ كل رهان على استعادة الحوثيين وعيهم وحدّ أدنى من الشعور الوطني ليس سوى رهان في غير محله. كان ذلك مجرّد مضيعة للوقت ليس إلّا.


في السنوات القليلة الماضية، خصوصا منذ التوصل إلى اتفاق سعودي – إيراني برعاية صينيّة في آذار – مارس من العام 2023، حافظ الحوثيون على نوع من ضبط النفس متظاهرين بالحياد. بحث هؤلاء عن متابعة حوار مع الرياض بعيدا عن أي نوع من الاستفزازات. شمل ذلك أخذ وردّ مع المملكة العربيّة السعوديّة بهدف تكريس صيغة تعايش بين الجانبين.


فجأة مع اتخاذ “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران، أو على الأصحّ “الحرس الثوري”، قرارا بالتصعيد العسكري، اتخذ الحوثيون، عبّر زعيمهم عبد الملك الحوثي، عن موقف يكشف أنّهم لا يستطيعون أن يكونوا غير أداة إيرانيّة. قرّر الحوثيون أن يكونوا جزءا من الهجمة الإيرانية على دول الخليج العربي وعلى الأردن، وهي هجمة تعكس إفلاسا إيرانيا ليس بعده إفلاس. كشف الحوثيون أنّهم ليسوا أكثر من لواء آخر في “الحرس الثوري”، على غرار ما هو “حزب الله” في لبنان.


حسنا، يستطيع الحوثيون خلق إزعاجات لحركة الملاحة في البحر الأحمر وفي خليج عدن مستعينين بقراصنة صوماليين يمكن استئجارهم لتنفيذ مهمات معيّنة. لكن ذلك لا يعني في أي شكل قدرة الحوثيين على إغلاق باب المندب وهو المدخل الإجباري إلى البحر الأحمر وإلى قناة السويس. يعود ذلك إلى سبب في غاية البساطة. يتمثّل هذا السبب في أن الحوثيين لا يسيطرون على ميناء المخا اليمني الذي يتحكّم بحركة المرور في باب المندب. لقد خسر الحوثيون المخا منذ خريف العام 2014 عندما قررت قوى يمنية طردهم من الجنوب اليمني، بما في ذلك ميناء المخا. ليس سرّا أن تلك القوى المحليّة، التي أخرجت الحوثيين من عدن ومن المخا ومن مواقع معيّنة في محافظة شبوة، كانت تحظى بدعم دولة الإمارات التي امتلكت سياسة يمنيّة واضحة تقوم على منع الحوثيين من السيطرة على كلّ اليمن، خصوصا على الجنوب.


عاجلا أم آجلا، ستكون هناك حاجة إلى عودة دولية وإقليميّة إلى اليمن الذي يتمتع بأهميّة إستراتيجيّة استثنائية، أقلّه لسببين. السبب الأوّل أن الأراضي اليمنية تصلح ممرا لأنابيب النفط بما يساعد في تجاوز مضيق هرمز. أما السبب الآخر، فيعود إلى أنّه في غياب القدرة على تمرير أنابيب للنفط في الأراضي اليمنيّة، وصولا إلى البحر الأحمر أو بحر العرب، لن يكون في استطاعة دول المنطقة والعالم تحمّل بقاء إيران في اليمن. بكلام أوضح، ليس في الإمكان تحمّل عرقلة إيران للملاحة في البحر الأحمر انطلاقا من اليمن.


ليس سرّا أن “الجمهوريّة الإسلاميّة” مصرّة، عبر الحوثيين، على البقاء في اليمن واستخدامه في إغلاق مضيق باب المندب وضرب السفن التي تعبر المضيق في طريقها إلى قناة السويس. هذه نية الحوثيين، لكنّ فقدانهم للسيطرة على ميناء المخا يحول دون تحقيق القدرة على تنفيذ تهديداتهم.


لا بدّ من التذكير، في هذا المجال، بأنّ الحوثيين يسيطرون على صنعاء وعلى قسم مهمّ من الأراضي اليمنيّة منذ 21 أيلول – سبتمبر 2014. ليس ما يدلّ على مدى تمسك إيران بوجودها في اليمن أكثر من إصرارها على خرق الحظر المفروض على مطار صنعاء حديثا. أرسلت إيران طائرة مدنية إلى صنعاء بحجة الإتيان بوفد يمني للمشاركة في جنازة “المرشد” الراحل علي خامنئي. لم تكتف بذلك، بل شنّ الحوثيون فجأة حملة على المملكة العربيّة السعودية شملت تهديدات لها. جاءت الحملة بعد فترة طويلة من الهدوء والأخذ والردّ بين الحوثيين والرياض. شمل ذلك حصول الحوثيين على مكاسب معيّنة بطريقة مباشرة أو بوساطة من سلطنة عُمان.


سيبقى السؤال المطروح في أيامنا هذه سؤالا ذا شقين. يتعلّق الشق الأوّل بقدرة الحوثيين على تنفيذ تهديداتهم للسعودية ولحركة الملاحة في البحر الأحمر والآخر بالإفلاس الإيراني. بالنسبة إلى الشق الأول، سيكون في استطاعة الحوثيين استهداف سفن وناقلات تعبر البحر الأحمر، خصوصا في ضوء سيطرتهم على ميناء الحديدة ، ذي الأهمّية الإستراتيجيّة المطلّ على هذا البحر. أما بالنسبة إلى إيران نفسها، فقد اختارت الاعتداء على الدول العربيّة الخليجية وعلى الأردن في غياب رغبتها في مواجهة مباشرة مع أميركا أو إسرائيل. تستهدف إيران الكويت والبحرين والإمارات وقطر وسلطنة عمان وتكلّف الحوثيين بالإعتداء على السعودية. في المقابل، لا تتجرأ على التعرض لأي قطعة حربية أميركية تبحر في الخليج!


ليست التهديدات الحوثية في نهاية المطاف غير تعبير عن إفلاس إيراني ليس بعده إفلاس. تكشف هذه التهديدات التي تأتي على حساب اليمن واليمنيين أنّ نهاية النظام الإيراني آتية لا محالة. المسألة مسألة وقت ليس إلّا بعدما كشف الحوثيون ضعف “الجمهوريّة الإسلاميّة” ومدى إفلاسها… إضافة في طبيعة الحال دورها في ضرب الاستقرار في المنطقة. هذا دور لم تتخل عنه يوما منذ رفع الخميني شعار “تصدير الثورة”.

* صحيفة العرب اللندنية