آخر تحديث :الجمعة-21 أغسطس 2026-01:02ص

تداخل الأبعاد وارتهان الإرادة في المشهد اليمني..!

الجمعة - 21 أغسطس 2026 - الساعة 01:02 ص

منصور السروري
بقلم: منصور السروري
- ارشيف الكاتب


يقف الإنسان في هذه الرقعة أمام واقع يُدار بآليات معقدة تتجاوز حدود الجغرافيا والمصلحة المباشرة.

عندما تتوقف المواجهات العسكرية المباشرة عند حدود الحصار الشديد وإغلاق المنافذ الملاحية الإقليمية، تتحول الساحة برمتها إلى مسرح لإعادة توزيع الضغوط واستعراض القدرة على التأثير.

تتحرك الأطراف الميدانية ليصبح الفعل العسكري المباشر مجرد وسيلة لإرسال رسائل سياسية في بريد الصراعات الإقليمية والدولية المتصاعدة، حيث يدفع التنافس الإقليمي وحصار الشرايين البحرية مليشيا الحوثي إلى استهداف خطوط الملاحة ومنشآت الطاقة، بينما تُرفع شعارات استعادة الدولة والسيطرة على المنافذ البحرية، كباب المندب والبحر الأحمر، لشرعنة هذا الامتداد العسكري وترسيخ التواجد على الأرض عبر تحريك المكونات التابعة للسلطة الشرعية.

تتداخل التصريحات السياسية والتحشيدات مع الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية، كمطار المخا والسفن الملاحية ومواقع مأرب والشريط الساحلي الغربي، لتصنع في المجموع مشهدًا يوهم المتابعين بأن البلاد تتجه نحو لحظة حسم سياسي أو تحول ميداني جذري.

لكن قراءة النمط المكرر للأحداث تشير بوضوح إلى أن هذا المشهد لا يعدو كونه بروفات عسكرية مكلفة وإعادة إنتاج للاستنزاف ذاته، حيث تتضاعف الخسائر البشرية والمادية والدمار، دون أن يتغير جوهر المعادلة القائمة على الأرض أو تتعدل قواعد اللعبة السياسية.

تتجسد الأزمة الحقيقية في اغتراب قرار الحرب والسلم عن صاحبه الأصلي والشرعي، وتحول الجيوسياسة اليمنية إلى حلبة لتصفية الحسابات؛ إذ لا توجد كارثة أكبر حينما تغدو الدماء ثمنًا لارتهان الإرادة الوطنية.

حين تصبح القوى الميدانية والمكونات العسكرية في الشمال والجنوب مجرد أدوات تنفيذية في صراعات أوسع نطاقًا، يفقد الصراع غايته الوطنية والسياسية، ويتحول إلى حلقة مفرغة يدفع كلفتها الباهظة المواطن في تفاصيل حياته المعيشية اليومية.

يتجلى هذا العبث الميداني في استهداف المنافذ البحرية المتبقية، كميناء المخا، بالصواريخ والمسيرات، وتوقف العمل فيه كليًا، حيث يتحول تعطيل الملاحة وتوقف الميناء الوحيد المتبقي بالساحل الغربي، بعد قصف موانئ الحديدة، إلى قطع لآخر خيوط الاتصال بالعالم الخارجي وشلل تام للملاحة الدولية.

لا يقتصر الضرر هنا على تدمير المنشآت والمباني والمرافئ الاقتصادية فحسب، بل يمتد أثره ليعيد تشكيل حركة الحياة اليومية للناس، ويفرض واقعًا معقدًا من العزلة الشاملة التي تحتاج عمليات إعادة إعمارها وترميمها الهيكلي إلى سنوات طويلة وإمكانيات مادية وفنية ضخمة.

يتحول الانتقال اليومي والتبادل التجاري للسلع والخدمات إلى رحلة مضاعفة الكلفة عبر منافذ بديلة بعيدة، كميناء عدن، وطرق جبلية وعرة وغير معبدة، نتيجة الحصار وإغلاق الطرق الرسمية لتعز والمحافظات المجاورة، ليصبح الحصار واقعًا مركبًا يُفرض من الداخل والخارج على السواء، بشكل يتجاوز حدود الاحتمال.

ينعكس هذا الاختناق الملاحي واللوجستي المباشر على ارتفاع أسعار الشحن والتأمين والبضائع والقوت اليومي، وتوفر الطاقة والمشتقات النفطية، مما يحول الأزمة الاقتصادية والتنموية من مجرد أرقام وإحصاءات إلى معاناة حقيقية يعيشها المواطن في كل لحظة وفي كل زاوية.

تستمر السلطة القائمة في توجيه الموارد المالية الشحيحة والمتاحة نحو استدامة المواجهة العسكرية والمجهود الحربي، بدلًا من استدامة الحياة والخدمات.

يتراجع التزام الدولة البديهي تجاه دفع مرتبات الموظفين وتشغيل الخدمات العامة الأساسية، ليُعاد تعريف أولوية السلطة بوصفها أداة لاستمرار الصراع، لا لحماية المجتمع وصيانة مقوماته الاقتصادية.

يطرح هذا الواقع القاسي والمتردي سؤالًا جوهريًا حول إمكانية أن يصنع المجتمع هامشًا حقيقيًا للحركة؟

هل يمكن للقواعد الشعبية والمكونات المدنية أن تفرض منطق السلام وتحييد مصالح الناس الحيوية؟

تأتي الإجابة الواقعية لتكشف عن فراغ القوة المدنية وتجريف الصوت المؤسسي في مواجهة منطق السلاح والسيطرة الميدانية والتمويل الخارجي.

لقد أُزيحت المساحات المدنية والمؤسسية تدريجيًا على مدى سنوات الصراع، ليصبح الصوت الشعبي مجردًا من أدوات التأثير الفعلية والقدرة على التغيير أو حماية أعيانه المدنية أمام إرادات الممولين وقوة السلاح النافذة.

يستدعي هذا الانسداد الكامل التساؤل عن المعنى المفترض والغاية الأساسية لوجود السلطة الشرعية.

ما القيمة العملية للقيادة السياسية ومجلس القيادة الرئاسي إن لم يستطع تحييد شريان الحياة والخدمات عن المحرقة المشتعلة؟

يفترض التفكير العقلاني والمنهجي أن تسعى القيادة إلى اتخاذ خطوات وحلول استراتيجية عاجلة، تقف في مقدمتها مجموعة من الأولويات الملحة التي تُصاغ كالتالي:

فرض «خطوط حمراء» عبر الوسائط الدولية والإقليمية لتأمين البنية التحتية الحيوية، كالموانئ والمطارات ومرافق الطاقة، والتعامل مع تحييدها كضرورة قاطعة لاستمرار حياة المواطنين، بعيدًا عن كارت المناكفات العسكرية.

إنشاء غرفة طوارئ لمواجهة تداعيات توقف ميناء المخا، وتسهيل الإجراءات الجمركية والإدارية في ميناء عدن والمنافذ البديلة، مع تقديم دعم مباشر لكلف نقل السلع الأساسية والمشتقات النفطية للحد من موجة الغلاء في تعز والمحافظات المجاورة.

ترشيد الإنفاق العسكري والحكومي غير الضروري، وضمان توجيه الإيرادات العامة المتاحة بنحوها الأساسي لدفع مرتبات الموظفين والخدمات العامة، لمنع التآكل الكامل لما تبقى من مؤسسات الدولة.

الانتقال من دور «التابع» للإملاءات والتحركات الإقليمية إلى بناء مشروع وطني جامع، يعيد ترتيب البيت الداخلي لمكونات الشرعية، ويفاوض القوى الإقليمية والمجتمع الدولي بمنطق المصلحة الوطنية اليمنية، بدلًا من الاستغلال كأداة في حروب الوكالة.

الضغط الدولي والميداني لفتح الطرق الرسمية المعبدة والتاريخية المؤدية إلى تعز وغيرها من المحافظات المحاصرة، لتقليل كلفة النقل الشاق عبر الطرق الوعرة.

لكن هل تستطيع أداة مُشظاة ومقسمة أن تنتج فعلًا سياسيًا وموقفًا موحدًا؟

هل يملك المجلس القيادي الرئاسي القدرة على اتخاذ قرارات سيادية مستقلة تتجاوز إرادات القوى والدول الداعمة له؟

تظهر التجربة والوقائع الميدانية أن التركيبة القائمة على المحاصصة السياسية وتضارب الرؤى والتشتت الهيكلي تعجز تمامًا عن إنتاج موقف سيادي مستقل.

عندما تتعدد الإرادات وتتوزع الولاءات والمصالح الضيقة، يتعطل القرار السياسي الرسمي، ويصبح الفعل الحكومي مجرد صدى لتوازنات خارجية وإقليمية لا تراعي الأولويات الوطنية للداخل اليمني.

يبقى المجتمع والشارع معلقين في منطقة الانتظار السلبي بين تحركات الخارج وتفاهماته وصفقاته، وعجز الداخل وهشاشته.

وتظل الحاجة ماسة وقائمة لتشكل وعي مجتمعي وسياسي جديد، قادر على إعادة تعريف المفهوم الوطني للقرار والسيادة، بعيدًا عن صغائر الارتهان الذي يحول الأوطان إلى ساحات جغرافية بلا إرادة، ويجرد الشعوب من حقها الطبيعي في الحياة والكرامة.