لا تفرحوا .. لأن تدمير ميناء المخاء إشارة شؤم في التأريخ اليمني.
والعكس : كلما استقرت المخاء استقرت صنعاء في اعالي الجبال وانهمر الخير على ربوع اليمن الجبلية كما تقول طفرات الرفه النادرة في حياة الاجداد.
كان ميناء المخاء هو قنطرة الخير بين اليمنيين والعالم قبل ان يطاله الدمار 5 مرات في حروب الطامحين من أئمة النصف الاول من القرن التاسع عشر وثوراتهم المتلاحقة ضد بعض.
لم يرتبط المزارع اليمني واصحاب الارض الفلاحون بعلاقة مباشرة مع منشأة وطنية كما عشقوا ميناء المخاء في بعض ما أتيح لهم من بعض سنوات الاستقرار قبل القرن التاسع عشر.
كانت قوافل الرعية والجمال المحملة بالبن تنحدر من اعالي جبال السراة باتجاه الساحل ورأساً على المخاء حيث كانوا يزرعون السلعة الاكثر طلباً في العالم: البن.
وفي المخاء كانت الشركات التجارية العالمية تنتظرهم عبر الوكلاء والسفن رابضة في البحر قبالة الشاطئ.
كانت المخاء هي مكبس الخير الذي استقرت بفعله صنعاء في بعض الفواصل النادرة التي ازدهر فيها الادب والعلوم والفن والشعر والفقه والسياسة مع فضيلة استقرار العاصمة والميناء الطفيف في زمن هؤلاء الملوك : المهدي عباس والمنصور علي والمتوكل احمد والمهدي عبدالله ( واقول ملوك لأن فلسفة الفقه الإمامي وبعض المتطرفين لا تعترف بهؤلاء الاربعة كأئمة على اعتبار ان عهدهم ارتبط بشيء من الانفتاح والاستقرار والرفه وكان القاضي الشوكاني قاضي قضاتهم).
كان ذلك بفضل بعض الاستقرار الذي أتيح للمخاء ان تعيشه على نحو متقطع وازدهرت الى حد معه حياة الناس في المناطق الزراعية الوسطى من اليمن.
وتلك البيوت والدور الملوكية القديمة الضخمة الشهيرة التي تشاهدونها في العدين وجبلة وبني حماد وريمة ووصابين وبرع وبني مطر وصعفان وانس وعتمة ويافع ومسور وبني العوام والمحابشة في حجة وما تجود به خولان الطيال والحيمتين والمحويت من اقداح البن تعود كلها الى زمن المخاء وما تجلبه الموانئ من نعم.
لقد حول ميناء المخاء المزارعين اليمنيين الى ملوك: حيث كانوا يعتمرون عمائم من الحرير ويتباهون بالمدائع المخاوية ويرتدون افخر الجنابي.
الجميع يعتمرون العمائم لكن ربطة العمامة في اب تختلف عنها في جبلة كما هي في العدين تأخذ كيفية مختلفة وهكذا في تختلف ربطة العمامة او المشدة في ريمة عنها في وصاب او في الحجرية وكان اكبر العمائم عمامة الحيمتين.
لقد اتيح لي الاطلاع على بعض بصائر الاجداد ورأيت كيف كان البن هو الثروة العظمى كانوا مزارعين وتجاراً.. ازدهر الادب والشعر مع ازدهار الميناء فكان المشائخ والعقال وابناء الطبقة الميسورة ادباء يجيدون صياغة الالفاظ في رسائلهم ومكاتيبهم ويتنادمون بالشعر والادب الى عهود قريبة.
في قرى المزارعين بناحية الجعفرية وكسمة وبرع وبكال الجبلية وكيف استصلح الرعية المدرجات الزراعية في مناطق مثل حورة في ريمة او المحجر والنيابتين وعنترة وبني الشاب في برع او في عزل العدين ووادي الدور الذي كتب فيه القاضي العنسي واحدة من اجمل قصائد الغناء اليمني : وامغرد بوادي الدور من فوق الاغصان. ولانه على ارتباط بالمخاء وبالسهل التهامي من موقعه كقاضي فقد كتب قصيدة بلهجة المخاء وتهامة غناها المرشدي.
لكن عندما اضطربت اليابسة اضطرب البحر معها : اندلعت الحروب والنزاع تدمر ميناء المخاء فانقلبت حياة اليمنيين رأساً على عقب: الى جحيم.
تدمر المينا مراراً .. وقصف بالمدفعية من البر ومن البحر.
وتسابقت جيوش الامبراطوريات القرن التاسع عشر على مياه اليمن فسبقت بريطانيا الى عدن ووجهت الضربة الاخيرة لصنعاء : نقلت حركة المخاء الى عدن.
وعادت اليمن الى دهاليز الظلم والظلام من جديد ولم تتخارج منه الا عام 1962 عندما انفتحت على التجارة والعالم وافتتحت المدارس والموانئ والمطارات لكل ابنائها.
من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك