حين يتحول منصب المحافظ من موقع لخدمة الناس وحل أزماتهم إلى "منصة إعلامية" لإصدار القرارات والتعميمات، وإطلاق الوعود وبيع الأوهام، يفقد المسؤول رصيد شرعيته الأخلاقية والقانونية معاً. وهذا بالضبط ما آلت إليه أوضاع السلطة المحلية في تعز، حيث أصبحت القرارات والتعاميم الرسمية مجرد "مادة كوميدية" يتداولها الشارع بسخرية لاذعة، تعبيرًا عن هوة ساحقة تعززت بين مواطن يغرق في قاع المعاناة، ومسؤول يعيش في برجه العاجي.
على مدار سنوات، تابع الشارع التعزي حزمة من القرارات التي تُعلن جهارآ وتُدفن في مهدها. خذ مثلًا ملف المدارس الأهلية؛ فبين قرار العام المنصرم القاضي بإلزام المدارس بتخفيض 43% من رسوم التسجيل، وقرار اليوم الذي يطالب بالتنفيذ الفوري والتهديد بالإغلاق وسحب التراخيص.. يقف المواطن عاجزًا أمام واقع مغاير تمامًا. لا رقابة، لا تفعيل، ولا أدنى أثر قانوني على الأرض.
تتحول هذه القرارات إلى سراب لأنها وُلدت ميتة، وغُلّفت بغطاء من الاستعراض الإعلامي لامتصاص غضب الشارع فحسب. وحين تنفد الأرصدة الأخلاقية للخطاب الرسمي، تلجأ السلطة إلى أساليب بائسة في تلميع صورتها، مستأجرةً أقلامًا رخيصة تبيع ضمائرها لمن يدفع أكثر، لتحويل الحقيقة إلى فواتير مدفوعة مسبقًا، متناسية أن القارئ بات أوعى من أن تُباع عليه الأوهام.
لكن المفارقة الصادمة، والوجه الأكثر عبثية في إدارة المحافظ، تكمن في التناقض الصارخ بين العجز الفاضح عن إنفاذ قرارات تخفيف المعاناة عن كاهل المواطن، وبين "النشاط المحموم" والضرب بيد من حديد حين يتعلق الأمر بملاحقة الصحفيين والأقلام الحرة أمنيًا وقضائيًا.
فحين يرفض الكاتب أو الصحفي التطبيل، ويأبى أن يبيع قلمه في سوق المزايدات، ويختار الاصطفاف إلى جوار الوطن والمواطن.. تتحرك ماكينة السلطة المحلية بكل ثقلها لتوليد مذكرات رأي كيدية (كما جرى مؤخرًا من الشؤون القانونية وتحت ضغوط واضحة من المحافظ)، وتُصاغ قرارات اتهام باطلة في النيابة بتهمة الإهانة الكيدية على خلفية قضايا نشر، في استغلال مفضوح ومسيس للنصوص القانونية!!
هنا يُطرح السؤال المشروع: أين هذه السرعة البرقية في تنفيذ القرارات حين يتعلق الأمر بحماية معيشة المواطن، أو وقف القرصنة على إيرادات المحافظة ؟ لماذا تتبخر هيبة الدولة حين تُنتهك حقوق الناس، وتتضاعف كفاءة أجهزة الأمن والنيابة فورًا إذا انتقد صحفي حر عجز المسؤول؟
إن السلطة التي تستقوي على الكلمة الحرة وتغض الطرف عن أزمات مدينة تعز المختنقة بالظلام وشح الغذاء وانعدام الخدمات، إنما تعمق أزمة شرعية حقيقية لا تقل خطورة عن الانقلاب الحوثي نفسه. فالشارع التعزي لم يعد يكترث بالتصريحات الجوفاء، وبات يدرك تمامًا أن معيار بقاء المسؤولين يكمن في قدرتهم على التخفيف من وجع طفل ينتظر دواءً لا يصله، أو مواطن يتقاسم رغيف الخبز المر مع أسرته.
إن محاولات إسكات الأقلام عبر ترهيبها بالقضاء والأمن لن تزيد الصحفيين الأحرار إلا ثباتًا، ولن تزيد الشارع إلا قناعة بأن من يعجز عن نصرة الحق وإدارته بعدالة، لا يملك سوى قمع الحقيقة.
تلك هي الحقيقة المرة: قرارات رديئة تخدم الفوضى، وتوجيهات صارمة فقط لتكميم الأفواه. ولكن التاريخ علّمني وعلم كل حر أن الأقلام التي تكتب بمداد الوطن لا تشترى ولا تكسرها مذكرات كيدية، أو قرارات باطلة، أو توجيهات عابرة.
"والله غالب على أمره"
مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen
مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council
رئاسة مجلس الوزراء اليمني
وزارة التربية والتعليم - اليمن