من 2004م الى 2015م، خاضت الدولة اليمنية ستة حروب فقط (ست حملات عسكرية) في مواجهة التمرد الحوثي، آخرها عام 2009م،
وكلها في ظل رئاسة علي عبد الله صالح.
في تلك الجولات الست، تم تعريف وتحديد الحوثيين في الخطاب الرسمي الحكومي كجماعة تخريبية متمردة خارجة عن القانون تهدد النظام الجمهوري وتسعى لإعادة الكهنوت والإمامة.
وصل الأمر بالإعلام الحكومي إلى استخدام صفة "الإرهاب" عند الحديث عن أنشطة الحوثيين، وهي صفة اقتصر استعمالها عالمياً في ذلك الحين على تنظيم القاعدة، (يمكنكم العودة لإرشيف تلك الفترة، بيانات وخطابات ومقالات ووثائق).
وسعت الحكومة أيضاً إلى إقناع الغرب بدمج عملياتها ضد الحوثيين ضمن المفهوم العالمي للحرب على الإرهاب، لكن قيل للغرب إن صالح إنما يسوّق خطراً وهمياً كي يستفيد من التمويل والدعم، [واستمروا غير مصدقين حتى اشتعلت النيران في البحر الأحمر قبل سنوات قليلة].
في المقابل، لم توافق أحزاب المعارضة وصحافتها على التعريف الحكومي للحروب الست في صعدة، وسخرت من حديث صالح والحكومة عن خطر الإمامة.
من 2012م الى ما بعد سقوط العاصمة في 2015م،
لم تعلن الدولة في صنعاء انها طرف رسمي عسكري وسياسي في معركة كبيرة ضد الحوثيين (الإماميين).
حدثت عملية إعادة تأطير واسعة للصراع.
لم يستعمل الإعلام الرسمي لوصف الأحداث والأطراف المنخرطة فيها كلمات مثل إمامة وجمهورية، أو شرعية وتمرد.
غابت الدولة تماماً كطرف معلن أمام التحركات التوسعية الحوثية، ابتداءً من دماج صعدة إلى حجة إلى عمران إلى الجوف إلى صنعاء بل ومعظم المحافظات الشمالية التي تم تسليمها للحوثيين كنتيجة مباشرة لسقوط العاصمة.
طوال الفترة بين 2013 و2015م التزم الخطاب العام الرسمي بدرجة قصوى من الحياد. لا حديث في منابر الدولة عن خطر الإمامة.
لا فرز وتصنيف على أساس جمهوري وإمامي، كل هذه المصطلحات اختفت من الخطاب الحكومي الرسمي.
وإذا استثنينا خطاب حزب الإصلاح والقوى المرتبطة به، لأسباب تخصهم بعد أن وجدوا أنفسهم هدفاً مباشراً لهجمات الحوثيين في عمران وحجة والجوف وصنعاء، فإن خطاب بقية القوى السياسية الفاعلة في الساحة كان يصور الأحداث في شمال الشمال على أنها صراع بين فصائل حزبية وثورية ومراكز نفوذ قبلية وجماعات دينية وأهلية.
حتى معركة عمران، رغم أن اللواء 310 بقيادة العميد القشيبي كان طرفاً رئيسياً فيها، لم يتم تعريفها في الإعلام الحكومي وأدبيات وبيانات وزارة الدفاع وخطابات هادي على أنها حرب بين قوات حكومية ومتمردين، أو بين الجمهورية والإمامة، بل دخلت الدولة كوسيط على مسافة واحدة من الطرفين، وهو ما ساوى رمزياً وقانونياً وأخلاقياً بين القشيبي وقواته وبين المهاجمين الحوثيين.
وهذا أسوأ وأشد تأثيراً من مجرد الامتناع عن تقديم الدعم والإمداد العسكري عن القشيبي.
حاول الإصلاح أن يأخذ الموقف الرسمي إلى جانبه، لكنه لم ينجح في ذلك.
والسبب أن حكومة باسندوة، المحسوبة على الإصلاح، كانت قد أصدرت في 2013م اعتذارين تمهيداً للحوار الوطني: الأول عن حروب الدولة الست في صعدة ضد التمرد الحوثي الإمامي، والثاني عن حرب 94 ضد الإنفصال.
كان الاعتذار يعني تخلي الدولة رسمياً عن حقها السيادي في استعمال العنف ضد التمردات المسلحة من نوع التمرد الحوثي، وعن واجبها في حماية وحدة التراب الوطني.
الاعتذار أعطى الحوثيين دفعة قوية لم يتوقعوها، كان حكماً ببراءتهم في الحروب الست وإدانة للدولة والجيش.
ثورة 2011م وما بعدها كانت قد منحتهم نوعاً من التطبيع المجاني.
أصبح لهم تمثيلاً سياسياً في حوار صنعاء.
لم يعودوا جماعة محظورة.
مع إشراكهم في مؤتمر الحوار الوطني، انتقلوا من خانة "الجماعة المتمردة" إلى خانة "الفاعل السياسي المعترف به".
مصافحتهم والجلوس معهم، بل وإبداء الرغبة في التحالف معهم، كلها اشياء لم تعد في ذلك الوقت تسبب الحرج الوطني، لم يُنظر لها كخيانة.
الجميع سيسخر منك حينها لو قلت إن التواصل والتنسيق مع الحوثيين خيانة للجمهورية.
أطرف مثقف يساري سينظر إليك بتهكم ويقول: "عن أي جمهورية تتحدث؟ جمهورية المشايخ والعسكر والهضبة؟ فلتذهب إلى الجحيم".
ما نريد قوله هو أن سقوط العاصمة والدولة في 2014م سبقه تحول عميق في الخطاب السياسي والقانوني والإعلامي، انتقل فيه الحوثيون من صفة التمرد المعادي للجمهورية إلى صفة المكون السياسي المشروع.
مرة أخرى، لا تسمحوا لأحد أن يضللكم اليوم،
راجعوا أرشيف تلك الفترة، مقالات وتصريحات وبيانات وبرامج وأخبار، راجعوا سجل الأحداث، استعيدوا المناخ العام بتفاصيله.
من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك