يبدو أن التشيع أبعد من كونه مذهبًا إسلاميًا بالمعنى التقليدي للكلمة؛ لأنه يمثل منظومة عقدية كاملة أعادت ترتيب مركز الثقل الديني حول الإمامة والولاية.
في الإسلام، يقف محمد في قلب الرسالة كنبي خاتم نزل عليه "الوحي"، أما في جزء واسع من التراث الشيعي الإمامي فإن عليًا والأئمة من بعده يحتلون موقعًا استثنائيًا يجعلهم المرجعية العليا للهداية الصحيحة، ومعيار فهم الدين وطريق النجاة. وتنسب إليهم العصمة والعلم الخاص والولاية، وتمنح الإمامة مكانة تجعلها أصلًا من أصول الدين.
فإذا كان الإيمان بالإمام شرطًا جوهريًا لصحة الإيمان، وإذا كانت معرفة الأئمة وولايتهم تحتل هذا الموقع المركزي، فأين تصبح النبوة؟ وأين يقف محمد مقارنة بمنظومة تمتد عبر اثني عشر إمامًا تنسب إليهم من المقامات ما يتجاوز كل مقام؟
الإمامة هي الاعتقاد بأن الله عين بعد محمد سلسلة من الأئمة تبدأ بعلي وتنتهي بالمهدي الغائب، وأن هؤلاء الأئمة يمثلون الامتداد الشرعي المعصوم للقيادة الدينية.
والولاية حق الإمام في الطاعة والاتباع والاعتراف بسلطته الدينية الخاصة ومقامه الفريد.
والخلاف يتجاوز أحقية علي السياسية بعد وفاة ابن عمه إلى طبيعة السلطة الدينية نفسها. فهل اكتمل الدين بالوحي (إسلاميًا) وختمت المرجعية الدينية بمحمد، أم أن الهداية المعصومة استمرت بعده عبر سلسلة من الأئمة؟
من هنا نشأ الانطباع بأن مركز الإيمان الفعلي انتقل من النبوة والرسالة إلى الإمامة والولاية، وأن مركز السلطة الدينية انتقل من النبي إلى الإمام.
ويزداد هذا الانطباع قوة عند قراءة بعض نصوص التيارات الباطنية التي رفعت عليًا والأئمة إلى مقامات تتجاوز الحدود البشرية المألوفة، ونسبت إليهم قدرات وخصائص استثنائية قل أن تنسب في التاريخ الديني إلا للأنبياء.
لذلك يبدو التشيع الإمامي، عند النظر إلى عقائده الأساسية ومصدر السلطة الدينية فيه، أقرب إلى منظومة دينية متميزة داخل الفضاء الإسلامي منه إلى مجرد مذهب فقهي بين المذاهب أو طائفة بين الطوائف.
هذه ومضة نقدية قابلة للنقاش.
والقصد تفسير تجاوز الخلاف السني الشيعي مسائل الفقه والسياسة إلى سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدين نفسه: أين تقع المرجعية العليا بعد محمد، في النص أم في الإمام المعصوم؟
هذا هو جوهر النزاع الذي استمر قرونًا طويلة وما زال حاضرًا حتى اليوم.