آخر تحديث :الأحد-23 أغسطس 2026-01:16ص
اخبار وتقارير

طفلة الـ14 تصرخ: "أنا مش عارفة من أنا".. طبيب في صنعاء يكشف معاناة جيل يُجبر على النضوج قبل أوانه

طفلة الـ14 تصرخ: "أنا مش عارفة من أنا".. طبيب في صنعاء يكشف معاناة جيل يُجبر على النضوج قبل أوانه
السبت - 22 أغسطس 2026 - 11:04 م بتوقيت عدن
- نافذة اليمن - خاص - صنعاء

سرد استشاري أول الطب الباطني الحرج وأمراض الجهاز التنفسي في مدينة صنعاء، الدكتور وهاج المقطري، اليوم السبت، تفاصيل حالة إنسانية مؤلمة لطفلة في الرابعة عشرة من عمرها، كشف خلالها عن حجم الأضرار النفسية التي قد يتعرض لها المراهقون عندما تُفرض عليهم تغييرات تفوق قدرتهم على التكيف، محذرًا الآباء والأمهات من تفسير كل تغير في سلوك أبنائهم باعتباره تمردًا أو سوء أدب.

وقال المقطري عبر حسابه الشخصي بموقع فيس بوك، إن والد الطفلة اصطحبها إليه بعد أن لاحظ تغيرًا كبيرًا في سلوكها خلال الفترة الأخيرة، إذ أصبحت أكثر انعزالًا وكثرة في البكاء والعصبية، وبدأت تفكر في أمور وصفها والدها بأنها غير منطقية، مع إبدائه رفضًا للجوء إلى الطب النفسي أو استخدام أدوية نفسية، قبل أن يتجه بها إلى مشايخ للرقية، إلا أن حالتها ازدادت سوءًا.

وأوضح الطبيب أنه عندما بدأ الحديث مع الفتاة، طلبت عدم وجود والدها، وقالت إنها تريد أن تبقى والدتها معها، قبل أن تكشف عن تفاصيل المعاناة التي تعيشها.

وبحسب المقطري، قالت الطفلة إنها تشعر بأنها لم تعد الفتاة التي كانت عليها سابقًا، رغم إحساسها الداخلي بأنها لا تزال الشخص نفسه، لكنها أصبحت ترى أن والديها يتعاملان معها وكأنها لم تعد تلك الطفلة.

وتوقفت الفتاة عن الذهاب إلى المدرسة، ومُنعت من اللعب مع صديقاتها، وفُرض عليها ارتداء النقاب، كما أصبحت تتعرض بصورة مستمرة للانتقادات بشأن تصرفاتها، مع مطالبتها بأن تتصرف كـ«امرأة ناضجة» بحجة أنها ستصبح أمًا قريبًا، فيما أُبلغت بأن عمها سيأتي لخطبتها لابنه.

ونقل المقطري عن الطفلة قولها إنها أصبحت تجلس وحيدة وتفكر كثيرًا، وأنها عندما ترى صديقاتها يلعبن تجلس للبكاء وتشعر بالضيق وتكره نفسها، قبل أن تختصر حالتها بعبارة مؤلمة: أنا رجعت مش عارفة من أنا.

ويرى الطبيب أن الطفلة فقدت خلال فترة قصيرة عددًا من العناصر التي كانت تمنحها الأمان النفسي، بينها المدرسة والصديقات واللعب والعلاقة القريبة مع والدتها، إضافة إلى علاقة اللعب التي كانت تجمعها بوالدها.

وأشار إلى أن المشكلة نشأت، وفق تقييمه، نتيجة التعامل المفاجئ مع الفتاة على أنها أصبحت امرأة ناضجة، في الوقت الذي لم تكن فيه نفسيًا قد خرجت بالكامل من مرحلة الطفولة، موضحًا أن جسدها كان ينتقل تدريجيًا من الطفولة، بينما ظلت مشاعرها وعقلها في حاجة إلى مساحة الطفولة، ما خلق صراعًا نفسيًا واضحًا لديها.

وبعد استبعاد وجود علامات ذهان أو اضطراب فصامي أو اندفاع انتحاري، قال المقطري إن التشخيص الأقرب للحالة هو اضطراب التكيف المصحوب بأعراض القلق والاكتئاب، إلى جانب اضطراب واضح في الإحساس بالهوية والذات نتيجة ضغط نفسي وأسري واجتماعي شديد، موضحًا أن قدرتها النفسية على التكيف مع التغيرات المفروضة عليها تجاوزت قدرتها الحالية على الاحتمال.

وأوضح أنه شرح لوالديها طبيعة الحالة، مؤكدًا أنه يتفهم مخاوفهما من استخدام العقاقير النفسية، لكنه شدد على أن العلاج في هذه الحالة يبدأ بإعادة بناء الإحساس بالأمان من خلال الدعم الأسري.

وبيّن أن ذلك يتطلب إعادة التواصل العاطفي بين الطفلة ووالديها، وبصورة خاصة بينها وبين والدتها، إلى جانب جلسات علاج نفسي متخصصة للمراهقين، وإعادة دمجها تدريجيًا في التعليم والحياة الاجتماعية الآمنة.

كما شدد على ضرورة منح الفتاة مساحة مناسبة لعمرها في الاختيار، والاستماع إلى رأيها في القرارات المصيرية التي تخص حياتها، ومنها الزواج، فيما أوضح أن العلاج الدوائي لا يُلجأ إليه إلا في حال ظهور معايير واضحة لاضطرابات الاكتئاب، وبقرار من المختص.

وفي رسالة مباشرة إلى الآباء والأمهات، حذر المقطري من التعامل مع التغيرات السلوكية لدى الأبناء باعتبارها دائمًا دليلًا على قلة الأدب أو العصيان والتمرد، مؤكدًا أن الطفل قد يصرخ بالطريقة الوحيدة التي يستطيع من خلالها التعبير عن ألمه.

وأضاف أن بعض المراهقين قد يجيبون بالحمد لله عندما يُسألون عن أحوالهم، بينما يكون هناك في داخلهم صوت يستغيث ويقول: لم يعد أحد يفهمني.