آخر تحديث :الجمعة-24 يوليو 2026-10:06م
اخبار وتقارير

كيف نفهم دوافع التصعيد الحوثي؟

كيف نفهم دوافع التصعيد الحوثي؟
الجمعة - 24 يوليو 2026 - 09:24 م بتوقيت عدن
- نافذة اليمن - كتب / حسام ردمان

يجب الاعتراف بصعوبة تفسير التطورات التصعيدية المتلاحقة في اليمن؛ فقد جاءت على خلاف الديناميات الداخلية التي لم تشهد تغيرًا جوهريًا يبرر العودة إلى الحرب، ولم تظهر فيها مؤشرات تنذر بانهيار الهدنة العسكرية التي ظلت صامدة طوال الأعوام الأربعة الماضية، و في أحلك الظروف الإقليمية.

قد يكون هذا الالتباس ناجمًا عن شح المعلومات المتصلة بالأزمة اليمنية، لكنه قد يعكس أيضًا قصورًا في افتراضاتنا التحليلية؛ إذ اعتدنا الانطلاق من الساحة المحلية، في حين أن المحركات الأساسية للصراع باتت تتجاوزها.

وفي الوقت نفسه، لا يكفي ربط توقيت التصعيد الحوثي بديناميات المواجهة الإيرانية-الأمريكية لتفسير ما يحدث. فقد مارست إيران قدرًا ملحوظًا من ضبط النفس، وتجنبت تفعيل الورقة اليمنية في ذروة الحربين السابقتين مع إسرائيل وواشنطن. فلماذا يجري إشعال الجبهة اليمنية اليوم، ولماذا يتخذ التصعيد هذا الشكل تحديدًا؟

ولتجاوز هذا الاستعصاء النظري، قد يكون من المفيد إدخال متغير جديد إلى المقاربة التحليلية : ماذا لو حاولنا فهم ما يدور في اليمن باعتباره انعكاسًا للصراع الداخلي في إيران؟

ماذا لو افترضنا وجود علاقة سببية بين السلوك الحوثي التصعيدي وحدّة الاستقطاب داخل طهران بين القوى المتنافسة على إعادة تشكيل السياسة الخارجية الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب؟ وللإجابة الأولية عن هذا السؤال، يلزم العودة عامًا إلى الوراء.

عقيدتان متنافستان

عقب حرب الاثني عشر يومًا، تبنت طهران سياسة خارجية تقوم على تخفيف الاستقطاب الجيوسياسي في اليمن ولبنان والعراق، وتعميق التعاون مع السعودية والقاهرة، وتعزيز سياسة حسن الجوار مع دول الخليج العربي، واستئناف المفاوضات السياسية مع الولايات المتحدة، وبناء واقع توازني مع دول الإقليم يهدف إلى كبح الطموح الإسرائيلي نحو الهيمنة.

وحتى في ذروة الصراع العسكري، حرصت إيران على تحييد باب المندب وقناة السويس، ونسقت عن كثب مع الاصطفاف الرباعي الإقليمي وجهود الوساطة المتعددة لوقف الحرب. ويمكن، مجازًا، تسمية هذا الاتجاه «عقيدة لاريجاني»: الاستعداد لسيناريو الحرب عسكريًا، مع بذل أقصى الجهد لتجنبه دبلوماسيًا.

ويمثل قاليباف وبزشكيان وعراقجي اليوم الامتداد السياسي لهذه العقيدة؛ إذ دافعوا بقوة عن مذكرة التفاهم المبرمة مع ترامب، وعن أهمية وقف التصعيد واستئناف التواصل الدبلوماسي.

في المقابل، أحدثت حرب الأربعين يومًا تغيرات عميقة في توازنات القوة داخل إيران. فقد رحل الثلاثة الكبار الذين هندسوا السياسة الخارجية ووازنوا بين الميدان والدبلوماسية: المرشد الأعلى علي خامنئي، ولاريجاني أمين عام مجلس الأمن القومي، وشامخاني أمين عام مجلس الدفاع.

كما انطوت الحرب على نهاية دراماتيكية أتاحت للنظام تسويق صورة نصر قوية، عززت مشروعية الثوريين في الداخل، ورفعت نفوذ المؤسسة العسكرية. وأدى ذلك إلى بروز مقاربة بديلة للسياسة الخارجية يتبناها الحرس الثوري الإيراني وحلفاؤه المتشددون ، وفي مقدمتهم سعيد جليلي وجبهة الصمود.

تدعو هذه المقاربة الى مواصلة المواجهة الاستنزافية مع واشنطن الى حين فرض كافة الشروط الإيرانية لوقف الحرب. وهي ترى ان المواجهة الأخيرة فرضت فرضت افضلية جيوسياسية واضحة لإيران تمكنها من فرض نفسها كقوة إقليمية على حساب واشنطن وحلفائها.

ويمكن، مجازًا أيضًا، تسمية هذه المقاربة «عقيدة وحيدي»، نسبة إلى قائد الحرس الثوري الجنرال أحمد وحيدي، الذي بات يمثل مركز الثقل الأبرز داخل النظام الإيراني. ولا تقوم عقيدة وحيدي بالضرورة على رفض مبدأ التفاوض لكنها تراهن على تعطيل عملية التفاوض و اخضاعها دوما لمنطق الردع العسكري و لسلوك الاكراه الجيوسياسي ضد الجيران.

اليمن كحلقة في التنافس الداخلي

لا ينحصر الصراع داخل إيران اليوم في الاختلاف حول أفضل السبل لتعظيم المنافع القومية؛ بل تتنافس مراكز القوى على فرض اجندتها للسياسة الخارجية كرافعة لإعادة إنتاج موازين القوة في الداخل.

يحاول البراغماتيون الحفاظ على مذكرة التفاهم وانتزاع مكاسبها الاقتصادية، لأن نجاح الاتفاق سيعزز موقعهم السياسي و يمنحهم قدرة اكبر على الاستمرار في السلطة. وفي المقابل، يسعى الحرس الثوري إلى رفع وتيرة التصعيد الإقليمي، لأن استمرار التعبئة والمواجهة يوفر له البيئة الداخلية اللازمة لتوسيع نفوذه وإحكام هيمنته على الدولة.

وفي يونيو الماضي، نجح بزشكيان وحلفاؤه في إقناع المرشد الجديد بقبول اتفاق وقف الحرب واستئناف التفاوض مع الولايات المتحدة. لكن الحرس الثوري نجح في يوليو الجاري في الالتفاف على الاتفاق، عبر توظيف ورقة السيادة الكاملة على مضيق هرمز لإعادة اشعال التصعيد العسكري.

وعلى مدار الأسبوعين الماضيين، حاول الحرس الثوري فرض عقيدته على السياسة الخارجية الإيرانية من خلال نمط تصعيدي شمل استهداف دول الخليج وسيادتها، وتقويض سياسة الانفراج مع السعودية، ونقل التصعيد من مضيق هرمز إلى باب المندب.

لقد جرى العمل بصورة ممنهجة للانقلاب على "عقيدة لاريجاني" ، وفي هذا السياق، جاءت التحركات الحوثية الرامية إلى تدشين جسر جوي مباشر بين طهران وصنعاء، ثم إعلان السعي لحصار مضيق باب المندب.

ومن المرجح أن يستمر السلوك الحوثي التصعيدي بالتوازي مع استمرار الاستقطاب الإيراني-الإيراني. وسوف تزداد حدته كلما تفوقت عقيدة وحيدي في طهران، وينخفض كلما استعادت عقيدة لاريجاني نفوذها.

ويظل المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الجهة التي تملك سلطة ترجيح إحدى المقاربتين، حتى وإن كانت قدرته العملية على الحسم مقيدة بتعاظم نفوذ الحرس الثوري. وبالعودة إلى بيان مجتبى الصادر في 18 يوليو، وتصريحات مستشاريه الاخيرة ، يبدو أن الرجل حاول التوصل إلى صيغة وسطية بين المقاربتين.

فمن جهة، أييد منطق الحرس الثوري بخصوص السيادة الإيرانية المطلقة على مضيق هرمز، ولو بصورة مؤقتة خلال فترة التفاوض، وحتى التوصل إلى ترتيبات نهائية بشأن إدارة الملاحة فيه.

ومن جهة أخرى، وفر مظلة حماية سياسية للمعسكر البراغماتي؛ إذ أكد دعمه رؤساء السلطات الثلاث ومسؤولي الدولة، في رسالة فُهمت بوصفها دعوة إلى المتشددين لوقف استهداف بزشكيان وقاليباف سياسيًا. وهو ما مهد الطريق أمام استئناف الاتصالات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن، وسط أنباء عن مقترح باكستاني-قطري جديد لوقف التصعيد وإحياء المفاوضات.

نظريًا، قد ينجح مجتبى خامنئي في تحقيق التوازن الصعب بين الميدان والدبلوماسية، بما يساهم في خفض التصعيد في اليمن، والتوصل إلى صفقات جزئية تمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وتمنح الحوثيين بعض الحوافز الاقتصادية، وتحافظ في الوقت نفسه على الخطوط الحمراء السعودية.

أما عمليًا، فقد يؤدي موقف مجتبى التوازني إلى إذكاء التنافس بدلًا من احتوائه. ومثلما استغل الحرس الثوري أزمة مضيق هرمز لاستئناف التصعيد مع واشنطن، فقد تصبح حاجته اليوم أكبر إلى تفعيل الورقة اليمنية، وتشجيع الحوثيين على مزيد من الخطوات التصعيدية في البحر الأحمر وضد المملكة العربية السعودية.

يدرك الحرس الثوري ان افشال عقيدة لاريجاني يقتضي ضرب عمودها الفقري المتمثل بسياسة الانفراج مع السعودية ، وهو بالضبط ما يقوم به الحوثي اليوم .. ويدرك المتشددون ان افشال المسار التفاوضي بات صعبا بسبب الموقف التوازني الاخير للمرشد الأعلى التوازني ، لذا فان اشعال اليمن و ضرب السعودية وتهديد البحر الاحمر يعد الطريق المثل اليوم للتصعيد ، وسوف يقود ذلك بطبيعة الحال الى تسميم الأجواء الإقليمية ، و تقويض دور الوسيطين الباكستاني و المصري ، و تحفيز الجانب الأمريكي على مزيد من الحزم العسكري.

باحث أول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية