ليست المشكلة في تولي الدكتورة أفراح الزوبة وزارة الخارجية، بل ولا حتى لو أصبحت رئيسةً لمجلس القيادة الرئاسي؛ فجوهر المشكلة لا يكمن في المنصب، وإنما فيمن يمثله المسؤول في الدولة، وفي طبيعة المشروع الذي يحمله، والغاية التي يعمل من أجلها.
هل يمثل تطلعات الشعب؟
هل هو صاحب قضية تنطلق من هدف واضح، يتمثل في استعادة الدولة؟
هل يدرك أن الدولة التي منحته منصب الوزير مضى على محاولة استعادتها أحد عشر عامًا، دون أن يتحقق لها وجودها الفعلي أو قدرتها الحقيقية على إنهاء الانقلاب؟
وهل ما يزال لدى هذا الوزير أو الوزيرة أدنى شك في أن المليشيات الحوثية جماعة إرهابية، يستحيل التعايش معها أو منحها أي فرصة سياسية أو عسكرية، تحت أي مبرر، يضمن بقاءها حتى هذه اللحظة؟
وهل الثقافة التي تُوجِّه الوزراء، وتحدد سياساتهم وأداءهم، تنطلق أصلًا من مبدأ الحسم الكامل، وتعبئة إمكانات الدولة ومؤسساتها كافة باتجاه استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب؟
أما فيما يخص وزارة الخارجية، فإن رسالتي إلى معالي الوزيرة أفراح الزوبة ليست رسالةً شخصية، بل هي رسالة أمل، ووصايا شعب أضعها هنا، وأدرك أنها قد لا تصل إليها مباشرة، لكنها ستصل إلى من يقرأها من أبناء هذا الشعب، ولعلها تصل إليها يومًا ما.
أولًا:
ابدئي عملك الوزاري في وزارة الخارجية دون الدخول في معركة مبكرة مع أخطبوط الفساد داخل الوزارة. فالوقت، في تقديري، لم يحن بعد لحسم هذا الملف، لأنه قضية متجذرة لن تُحسم اليوم ولا غدًا، وإنما بعد قيام دولة مكتملة الأركان عقب إنهاء الانقلاب. فالانقلابيون داخل الوزارة ما تزال لهم جذور عميقة، ولذلك لا تسمحي لملف الفساد أن يستنزف جهدك، أو أن يفسد عليك مهمتك الوطنية في هذه المرحلة.
ثانيًا:
لا تستخدمي الآلية الدبلوماسية التقليدية التي أدارت بها الدولة الملف اليمني خلال السنوات الماضية، لأنها آلية أثبتت فشلها، ولم تحقق للدولة أي تقدم حقيقي في استعادة مؤسساتها أو إنهاء الانقلاب.
ثالثًا:
ابدئي مهمتك انطلاقًا من مضامين البيانين السياسيين الأخيرين الصادرين عن مجلس القيادة الرئاسي، باعتبارهما يمثلان تحولًا في خطاب الدولة. وهذا يقتضي انتهاج دبلوماسية تتناسب مع مرحلة الاستعداد للحسم، دبلوماسية تستند إلى جاهزية الدولة السياسية والعسكرية لإنهاء الانقلاب واستعادة الدولة، لا إلى إدارة أزمة مفتوحة بلا نهاية.
رابعًا:
لا تعتمدي في لقاءاتك وجهودك الدبلوماسية على سردية أن المليشيات الحوثية تمثل تهديدًا إقليميًا للمنطقة، ولا تجعلي هذا الملف محور خطابك السياسي؛ فقد استُهلك هذا الطرح طوال السنوات الماضية، وأخذ حيّزًا واسعًا في لقاءات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي مع قادة العالم، ومع ذلك لم يلقَ الاستجابة المأمولة من رعاة الأزمة الدوليين. بل إن النتيجة، في كثير من الأحيان، كانت عكسية؛ فكلما سعت الدولة إلى إقناع المجتمع الدولي بخطورة التهديد الحوثي على الأمن الإقليمي، ازداد الحوثي قوةً، واتسع هامش حركته، وارتفعت قدرته على فرض نفسه طرفًا لا يمكن تجاوزه.
واليوم أرى أن الوقت قد حان لاستبدال هذه السردية بسردية وطنية يمنية خالصة، يكون عنوانها الرئيس معاناة الشعب اليمني، وما وصل إليه من إنهاك وتجويع وتشريد وانتهاك لحقوقه. فهذه القضية هي التي ينبغي أن تتصدر الخطاب الدبلوماسي اليمني، وأن تدفع العالم إلى إعادة النظر في مقاربته للملف اليمني، بحيث ينتقل من البحث عن تسوية تُبقي المليشيات شريكًا في السلطة، إلى تبني مشروع يهدف إلى تحرير اليمن واستعادة دولته، باعتبار أن الحرب، في ظل انسداد كل مسارات السلام، أصبحت ضرورة وطنية لإنقاذ الشعب والدولة.
خامسًا:
لا تنظري إلى وصولك إلى أعلى منصب في وزارة الخارجية من زاوية كونك امرأة، بل انظري إليه بوصفه مسؤولية وطنية كبرى تفرض عليك أن تعبّري عن خطاب الدولة بحماسة المحارب، وأن تحملي تطلعات الشعب الذي تمثلينه.
فأنت لا تمثلين الحكومة وحدها، ولا مجلس القيادة الرئاسي فحسب، وإنما تمثلين اليمن بكل ما يحمله من تاريخ وقضية وشعب. والفرق كبير بين من يرى نفسه ممثلًا لشعب يناضل من أجل استعادة دولته، وبين من يكتفي بتمثيل حكومة معترف بها دوليًا. فالأولى رسالة وطنية، أما الثانية فهي، في نهاية المطاف، وظيفة إدارية قد تبقى أسيرة لمراكز النفوذ، ولحسابات المصالح، وللتوازنات التي كثيرًا ما تتعارض مع تطلعات الشعب، وإن كانت ترضي القوى التي تؤثر في القرار السياسي اليمني من خارج حدوده.
سادسًا:
ولا تعتبري وصولك إلى هذا المنصب انتصارًا لدعوات التمكين السياسي للمرأة، أو إنجازًا للخطاب النسوي الذي تتبناه بعض المنظمات الدولية. فمثل هذا التصور، في رأيي، يختزل قيمة المنصب في بعده الرمزي، ويجعل من نجاحك مجرد نجاحٍ لامرأة وصلت إلى موقع سيادي.
أما الفرصة الحقيقية أمامك فهي أكبر من ذلك بكثير؛ إذ يمكنك أن تكوني المرأة التي منحها التاريخ فرصة الإسهام في صناعة مرحلة جديدة من تاريخ اليمن، وأن تكوني جزءًا من مشروع وطني يستعيد الدولة وقرارها وسيادتها.
ومن هنا ينبغي أن يكون خطابك الدبلوماسي امتدادًا لهذا المشروع، خطابًا يعلن بوضوح أن الدولة تجاوزت مرحلة البحث عن شراكة مع المليشيات، ولم تعد تنخدع بشعارات السلام التي استُنزفت في جولات تفاوضية طويلة لم تُنتج سوى مزيد من الوقت لصالح الانقلاب.
لقد استنفدت الدولة، خلال السنوات الماضية، معظم أدواتها الدبلوماسية في سبيل إنجاح مبادرات وخارطات طريق كانت تتعثر في كل مرة عند أول اختبار حقيقي. ولذلك فإن المرحلة الجديدة، كما أفهمها، تقتضي خطابًا سياسيًا يقر بأن خيار الحرب لم يعد تفضيلًا، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها مسؤولية استعادة الدولة وصون كرامة الشعب، وأنت اليوم، بحكم موقعك، تمثلين صوت هذا الشعب ولسان دولته أمام العالم.
سابعًا:
لا تقبلي أن تُربط القضية اليمنية بجهود التهدئة الرامية إلى منع اندلاع حرب إقليمية، وأخبريهم بوضوح أن اليمنيين لا يستعدون لحرب إقليمية، بل لحرب تحرير وطنية هدفها استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب. فنجاح هذه الحرب، إذا كُتب لها النجاح، لن يهدد الأمن الإقليمي، بل سيعزز استقراره ويعيد التوازن إليه.
إن ربط حرب التحرير الوطنية بمستوى التهديد الحوثي ـ الإيراني لدول الإقليم قد يقود إلى تفاهمات دولية وإقليمية تُخفف من احتمالات المواجهة الإقليمية، لكنها في المقابل قد تؤجل أو تُفرغ المشروع الوطني اليمني من مضمونه، وتُبقي حق الشعب اليمني في استعادة دولته رهينةً لحسابات الآخرين. ولذلك يجب أن يبقى حق اليمنيين في تحرير وطنهم واستعادة دولتهم والدفاع عن شعبهم قضية مستقلة، لا ورقة تفاوض ضمن ترتيبات الأمن الإقليمي.
ثامنًا:
بحكم تجربتك السابقة وزيرةً للتخطيط والتعاون الدولي، فإنك تمتلكين خبرة يمكن توظيفها في منصبك الجديد بما يتجاوز العمل الدبلوماسي التقليدي. ولذلك فإن من المهم أن تجمعي بين البعدين السياسي والاقتصادي، وأن توظفي علاقاتك وخبراتك في حشد الموارد الاقتصادية، والتنسيق مع شركاء اليمن الإقليميين والدوليين، لتوفير دعم مالي عاجل يساعد الحكومة على تجاوز أزماتها الاقتصادية.
كما ينبغي أن يكون هذا الدعم جزءًا من رؤية متكاملة، تضمن توفير الموارد اللازمة لإسناد قرار الدولة في توجهها نحو استكمال استعداداتها السياسية والعسكرية لاستعادة مؤسساتها وإنهاء الانقلاب.
تاسعًا:
اللغة الدبلوماسية الحادة ليست عيبًا إذا كانت تستند إلى وقائع حقيقية، وتعبر عن تطلعات الشعب، وتنسجم مع سياسة الدولة في مرحلتها الجديدة. ولذلك ينبغي أن يكون هذا هو خطابك أمام العالم، لا أن تكتفي بترديد اللغة التي صاغتها السياسة الدولية، أو تلك التي تُدار من غرف سفراء الدول الخمس.
لقد تغيرت معطيات المشهد، وأصبح لدى اليمن ودولته من الوقائع والمتغيرات ما يؤهله لأن يكون شريكًا في صناعة السياسات المتعلقة بقضيته، لا مجرد متلقٍ لها. كما أن التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها تداعيات الحرب الإيرانية، تتيح للدبلوماسية اليمنية فرصة لإعادة توظيف هذه المتغيرات بما يخدم المشروع الوطني، ويعيد القضية اليمنية إلى مركز الاهتمام بوصفها قضية شعب يسعى إلى استعادة دولته، لا مجرد أزمة إنسانية أو ملف أمني.
عاشرًا:
وأختم وصاياي بنصيحة قد تبدو شخصية، لكنها في تقديري ذات بعد سياسي. لا تستمعي كثيرًا إلى نائب وزير الخارجية مصطفى النعمان، بل وأرى أن تقللي من اللقاءات التي قد تؤثر في رسم قناعاتك السياسية؛ لأنني أخشى أن يقودك ذلك، من حيث لا تشعرين، إلى تبني مقاربة وظيفية لإدارة الملف اليمني، على حساب المقاربة الوطنية التي تجعل استعادة الدولة هدفًا لا يخضع للمساومة.
احرصي على أن يبقى معيارك الأول في كل موقف هو مصلحة اليمن، وأن يكون خطابك معبرًا عن قضية شعب يناضل من أجل استعادة أرضه ودولته وقراره، لا مجرد خطاب ينسجم مع مقتضيات الوظيفة أو حسابات المجتمع الدولي.
ملاحظة
هذه الوصايا ليست موجهة إلى شخص الوزيرة وحدها، وإنما إلى كل من يتولى مسؤولية تمثيل الجمهورية اليمنية في هذه المرحلة المفصلية. فالمناصب تتغير، والأشخاص يرحلون، أما الدولة فهي القضية التي يجب أن تبقى فوق الجميع، وأن تظل استعادتها البوصلة التي تهدي القرار السياسي، وتوجه الخطاب الدبلوماسي، وتوحد إرادة اليمنيين.