مع مرور الشهر الأول على اندلاع الحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دفعت مليشيا الحوثي بنفسها إلى قلب المواجهة، معلنة تدخلها العسكري إلى جانب طهران عبر إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، في خطوة تعكس عمق ارتباطها بالمحور الإيراني وتفتح الباب أمام تحولات خطيرة في المشهد اليمني.
هذا التطور، الذي لم يكن مفاجئاً وفق مراقبين، يضع اليمن أمام مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة الصراع، إذ تتزايد التقديرات بشأن احتمال استئناف العمليات العسكرية في الساحل الغربي، خصوصاً باتجاه تحرير محافظة وميناء الحديدة، مع اتساع دائرة التصعيد الإقليمي.
التوقيت يكتسب حساسية إضافية مع اقتراب انتهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة أونمها بنهاية مارس، وهو ما يعزز من احتمالات عودة المواجهات المسلحة في جبهة الساحل، في ظل تراجع مسارات التهدئة وتصاعد التوترات في المنطقة.
في المقابل، تتصاعد المخاوف من خطوات تصعيدية قد تقدم عليها الجماعة، أبرزها تهديد الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، في سياق متصل بتحركات إيران في مضيق هرمز، ما ينذر بتوسيع نطاق الصراع إلى ممرات بحرية استراتيجية.
المتخصص في الشؤون العسكرية عدنان الجبرني قال في تصريح لصحيفة الشرق الأوسط: "مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة"، مضيفاً أن "انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية".
وأضاف الجبرني أن "الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة، وهو ما يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وقد يرتد ذلك بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها".
من جانبها، لم تستبعد المهمة الأوروبية أسبيدس استهداف الحوثيين للسفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن المارة إلى توخي أقصى درجات الحذر، في مؤشر على تصاعد المخاطر البحرية في المنطقة.
بدوره، قال الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة مروان نعمان في حديثه لصحيفة الشرق الأوسط: " الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية"، مشيراً إلى أن "قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلمًا أو حربًا"، مضيفاً أن "الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر، والتطورات الجديدة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً" .
وأكد نعمان أن "انخراط الجماعة، بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها".
وفي السياق ذاته، قال الكاتب السياسي اليمني همدان العليي إن "انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولًا إلى صنعاء"، لافتاً إلى أن "أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة"، مضيفاً: "يبدو أننا أمام مواجهة جديدة، وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة".
من جهته، أكد المحلل السياسي عبد الله إسماعيل أن "هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة"، لكنه أشار إلى أن "تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها"، مضيفاً: "نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها".
على الصعيد العسكري، قال العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة: "المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة كسر عظم مع مشروع نظام الملالي"، مشيراً إلى أن "بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة".
وحذر جابر من أن "الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية".
وبحسب ما كشفه وزير الإعلام معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من الحرس الثوري إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.
وأضاف جابر أن "التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة الموانئ"، مؤكداً أن "اختيار الحوثيين الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وتقديم أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين وأخرى مباشرة مع الإقليم والمجتمع الدولي، بما قد يعجل بنهايتهم".