المسألة هنا لا تتعلق فقط بصراع سياسي أو تنافس إعلامي عابر، وإنما بصراع على تشكيل الوعي وعلى من يمتلك القدرة على تعريف ما هي الحقيقة في أذهان العامة من الناس. ففي ميادين الحروب الحديثة، ليست القوة العسكرية وحدها عامل حاسم، وإنما الرواية، والصورة، والتكرار المنظم، أدوات قد تتفوق على أثر المدافع أحياناً.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم حالة الجنوبيين منذ السنوات الماضية، حين وجدوا أنفسهم في موقع الدفاع الدائم، وهذا لا يعني أن قضيتهم تفتقر إلى الحضور الشعبي، ولكن لأن خصومهم امتلكوا قدرة أعلى على إدارة السردية، وتنظيم الخطاب، وتحويل الأخطاء الفردية والأزمات العابرة إلى معاول نفسية تضرب الروح الجنوبية ذاتها. فإعلام تنظيم الإخوان، بما راكمه من خبرة طويلة في التعبئة والتنظيم والعمل الشبكي، لا يتحرك بعشوائية، ولكنه يصل للناس ضمن منظومة متكاملة تعرف كيف تستثمر كل حدث، وكيف تعيد تدويره وتضخيمه وربطه بهدف سياسي أكبر.
وفي المقابل، ظل الخطاب الجنوبي، في كثير من الأحيان، أسير ردود الفعل والاجتهادات الفردية. ورغم وجود صحافة و أصوات جنوبية مؤثرة ومحاولات تستحق الاحترام، إلا أن غياب "العقل الإعلامي المنظم" جعل الجهد متفرقاً، يتفاعل مع الأحداث أكثر مما يصنعها.
وحتى المجلس الانتقالي، في مراحل قوته، ركز بصورة أكبر على الخطاب الرسمي وفق النمط العربي التقليدي، بينما تُرك المجال الشعبي والإعلامي المفتوح من دون بناء ودعم منصات مدنية فاعلة ومؤثرة قادرة على خلق رواية متماسكة ومستدامة، مثلما فاته بناء مركز إعلامي خارجي واستغلال كثير من نفقاته الخارجية.
والخوف هنا من ظهور مفارقة فلسفية مهمة، وهي أن القوى التي تبقى طويلاً في موقع الدفاع تبدأ تدريجياً بفقدان ثقتها بسرديتها الخاصة، وتتحول، من حيث لا تشعر، إلى متلق للاتهامات بدلاً من أن تكون منتجاً للأسئلة الحيوية. ولذلك بدا الانتقالي خلال شراكته، أمام جزء كبير من الجمهور، وكأنه تحول إلى شماعة تُعلق عليها أخطاء الجميع، ليس فقط بسبب حجم الهجمات، بل أيضاً لأنه لم يخض معركة التفنيد الموثق والمنظم بالقدر الكافي.
وفي السياسة، الفراغ لا يبقى فراغاً. حين لا تُقدَّم رواية واضحة، يتكفل الخصم بصناعة الرواية البديلة. ولهذا جرى توظيف ملفات السجون، والفساد، والموارد، والأراضي، والجرائم الفردية، وغيرها، ضمن عملية تراكم نفسي تستهدف إنهاك المزاج الجنوبي وإشاعة الإحباط والشك. وليس المقصود هنا إنكار وجود أخطاء أو تجاوزات، فكل سلطة وكل تجربة سياسية تحمل عيوبها، لكن الفارق يكمن في كيفية إدارة هذه الملفات: هل تترك لتتحول إلى سلاح بيد الخصوم، أم تُعالج بشفافية ومهنية ضمن خطاب يوازن بين النقد والحفاظ على الحقائق الصلبة؟
كما أن أخطر ما في المرحلة الحالية هو تلاقي مصالح متعددة داخل ماكينة سردية واحدة. فهناك ذباب إلكتروني إقليمي يتحرك بدوافع تخص حسابات النفوذ والسيطرة، وهناك إعلام إخواني يسعى إلى التمكين السياسي بأي وسيلة، وهناك "سلطة شرعية" مرتبكة وضعيفة توفر بيئة خصبة للفوضى والتلاعب. وعندما تتقاطع هذه المسارات، تتولد روايات هجينة، متناقضة أحياناً، لكنها تتفق جميعاً في استهداف الحالة الجنوبية بغية إدخالها في حالة إنهاك نفسي وسياسي طويل.
ولهذا أصبحت المعركة الإعلامية جزءاً من الوجود المعنوي للقضية الجنوبية نفسها فما تزال الحكاية ناقصة أو مغيبة وهناك حاجة ملحة إلى تنسيق مشهد إعلامي جنوبي أكثر نضجاً وتنظيماً، يقوم على السبق والتنظيم والتخطيط في إنتاج المحتوى، من زوايا وأطراف متعددة، وبناء المنصات، وتنسيق الجهود معاً. فالقضية التي لا تملك رواية فاعلة ومؤثرة سيكتبها الآخرون عنها، وربما ضدها.
ولعل واحدة من أكبر أخطاء السنوات الماضية كانت الركون إلى الثقة المفرطة بالذات، والاعتقاد بأن عدالة القضية وحدها كافية لضمان انتصارها في الوعي العام. بينما التاريخ يعلمنا أن الحقيقة، مهما كانت قوية، تحتاج دائماً إلى من يحسن تقديمها، والدفاع عنها، وتحويلها إلى حضور حي في عقل المجتمع ووجدانه.
احمـــــــــــدع