النيكروفيليا هي “عشق الموت” ويطلق على نوعين من الظواهر، النيكروفيليا الجنسية: وهي رغبة الاتصال الجنسي مع جثة، والنيكروفيليا غير الجنسية: وهي الرغبة في الإمساك بالجثث أو الاقتراب منها أو التحديق إليها، واشتهاء الوجود بقرب الجثث أو المقابر أو أي شيء في حال تفسخ.
والافتتان بالموت ظاهرة ملفتة للنظر في الثقافة العربية الإسلامية “أتيتكم بأقوام هم أحرص على الموت منكم على الحياة”… هكذا قال خالد بن الوليد مهدداً والي الحيرة بعد أن حاصرها بجيشه. ثم لما انتهى منها وانتقل إلى المدائن عارضاً عليهم الإسلام أو الاستسلام كرر التهديد ذاته: “هو الذي لا إله إلا هو لأبعثن إليكم قوماً يحبون الموت كما تحبون الحياة”. بعده بقرون سيقول الإمام زيد “من أحب الحياة عاش ذليلاً…” دافعاً النيكروفيلية الدينية خطوة أخرى من محبة الموت إلى كراهية الحياة.
الفقه الإسلامي نيكروفيلي عموماً، فالدنيا جنة الكافر وجحيم المؤمن، أما أعظم أسباب الذل والخذلان فحب الدنيا وكراهية الموت. في صنعاء اليوم تنتصب لوحة عملاقة في “شارع الشهداء” مكتوب عليها “بنيت بثقافة القرآن أمة تعشق الشهادة”. هذه العبارة هي تعبير مبسط عن النيكروفيليا الجماعية “تسقط الحياة، يحيا الموت”.
استغرب المراقبون ممارسة غريبة يقوم بها الحوثيون وهي دفن موتاهم في الحقول والمدرجات الزراعية الخصبة. لكن لا غرابة في ذلك، فالموت هو الحياة، والحقول التي كانت تنتج الحياة يجب أن تحتضن الموت. المقبرة هي وسيلة الإنتاج الأساسية وليس الحقل أو المزرعة. لهذا يسمون مقابر قتلاهم “رياض الشهداء”، والروضة هي البستان أو الجنة، لكنها أيضاً قد تكون روضة التعليم الذي يدخل فيها الطفل، فليس غريباً أيضاً أن معظم قتلى هذه الروضات، هم أطفال!
حتى صورة الله عند هذه الجماعات صورة نيكروفيلية بامتياز. إنه الإله الذي يعشق الدماء والقرابين والأشلاء. هناك دعاء غريب يردده جهاديو السنة والشيعة هو: “اللهم خذ من دمائنا حتى ترضى”! وتصدح موجات الإذاعة المحلية في صنعاء بنشيد نيكروفيلي أغرب “يا إلهي هذه أشلائي… فاصدح بها في عالم الشهداء”، فلماذا يقدم المنشد أشلاءه إلى الله؟
يحتل “اليوم السنوي للشهيد” في إيران ولبنان واليمن اليوم المكانة ذاتها التي كان يحتلها “عيد العمال” في الأنظمة الاشتراكية!
الشهيد هو العامل أو الشغيل الأساسي في النظام الديني. أما الإنجاز الفرد الأساسي داخل هذا النظام فهو “الموت”. ومقابر الشهداء عند الحوثيين و”حزب الله” تحتل الوظيفة الأيقونية ذاتها التي كانت تقدمها صور المصانع والمنشآت الضخمة في الدول الاشتراكية. فحتى لو سقط آلاف الأشخاص قتلى فهذه ليست هزيمة. فكلما زاد عدد الشهداء كلما زاد “إنتاج” الجماعة وفخرها.
من يموت موتاً طبيعياً لا يدفن في مقابر الشهداء. هناك مقابر عادية كالحة للجبناء المتمسكين بالحياة، أما مقابر الشهداء فهي للمختارين والأبطال.
أحد قيادات “حزب الله” دعا قبل فترة إلى إقامة إفطار جماعي في مقابر الشهداء. إنه عشق الوجود قرب الجثث ووسط المقابر في إفطار نيكروفيلي مثالي.
الموت هو الإنجاز. والرجل الصالح هو الرجل الميت.
هل نحن مجتمعات نيكروفيلية؟
فرق إريك فروم في دراساته لظواهر الفاشية والحروب والدمار يميّز بين نوعين من المجتمعات:
المجتمعات المؤكدة للحياة: حيث المثل والعادات والتقاليد تؤكد حفظ الحياة، والحروب غائبة أو هامشية، ويعامَل الأطفال بلطف، والنساء عموماً مساويات للرجال، ولا يتم استغلالهن أو إيذاؤهن، وموقف المجتمع من الجنس متسامح وإيجابي.
المجتمعات العدوانية التدميرية: التي تتصف بالعنف المتبادل والقسوة سواء داخل القبيلة أو ضد الآخرين، وتقديس الحرب، وسيادة جو العداوة والتوتر والخوف، وأكثر الفضائل إثارة للإعجاب هي انتزاع “الغنائم” من الضحايا.
أخاف أن اقول إننا مجتمعات نيكروفيلية في الكثير من جوانب حياتنا، وهذا هو الجدار العازل الذي يمنعنا من الاندماج في روح العصر.
إن حق الحياة هو الحق الأول في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الحق الذي لا يجوز انتهاكه أو مناقشته. فاذا كنا نحتقر حق الانسان في الحياة فستسقط كل حقوقه على التوالي.
لكن كيف يمكن تأكيد حق الحياة ونحن نقدس ثقافة الموت والشهادة؟
الصورة مقلوبة وقاتمة تصبح فيها مهمة الكبار الرسمية قتل المواطنين!!