آخر تحديث :الخميس-13 أغسطس 2026-12:16ص

حذاء جمهوري ونصف متر من التلميع..!

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 11:07 م

محمد الصباري
بقلم: محمد الصباري
- ارشيف الكاتب


حين تقرأ مقال «نصف يوم مع الرئيس!- للأخ سام الغباري، لا تحتاج إلى كثير من العناء كي تكتشف أنك لا تقرأ عن لقاء صحفي بقدر ما تقرأ رحلة وجدانية في بلاط الإعجاب!


الرئيس هنا ليس مجرد رئيس، بل رجل أمن مثقف، وأكاديمي بارز، وعالم اجتماع متمرس، ووجه يشع مهابة، وعقل لا يتوقف عن العمل، ورجل سبعيني يكاد لا يترك للرئيس الذي يكتب عنه شيئًا إلا وأضفى عليه من صفات الكمال.


لكن المفاجأة أن التلميع لم يتوقف عند الرئيس، بل امتد إلى تفاصيل الرحلة نفسها، حتى إن سام الغباري حرص على توثيق الحذاء الذي اشتراه يوم اعتلاء الرئيس سدة الحكم ، «حذاء جمهوري» ههههه، وكأننا أمام قطعة أثرية جمهورية أُخرجت من صندوقها خصيصًا لتؤدي مهمتها التاريخية في ذلك اللقاء.


وبين البدلة الزرقاء والحذاء المبارك بتوقيت صعود الرئيس، والقهوة والشاي، والمكيف، والكاميرات، والابتسامات، والكرسي الذي جلس عليه الرئيس ثم جلس عليه الكاتب للذكرى، تتشكل أمامنا مادة لا تخلو من الطرافة.. نصف يوم مع الرئيس، لكنه يحتاج عند تفكيكه إلى أكثر من نصف متر من المسح والتلميع.


المفارقة أن الكاتب سام الغباري دخل اللقاء صحفيًا مرتبكًا من الكاميرا، وخرج منه شاهد عيان على «عظمة» الرئيس، حتى إن نصف يوم من الجلوس والإصغاء تحوّل إلى شهادة شبه مكتملة على شخصية الرجل وأدائه، وانتهى الأمر بعبارة صريحة: «يجب أن نعينه، وندعو له، ونسانده بصدق وإخلاص».


وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كان الكاتب يكتب عن لقاء إعلامي مع رئيس الجمهورية، أم كان يكتب محضر إعجاب موثقًا بالبدلة والحذاء والكرسي؟


هذا ليس نقدًا للقاء ولا للرئيس بقدر ما هو تفكيك لطريقة الكتابة نفسها , إذ عندما يتحول الصحفي من ناقل للمشهد إلى أحد أطراف الاحتفاء به، يصبح من حق القارئ أن يبحث عن الخبر وسط كل هذا اللمعان.. إليكم


1_ التطبيل المباشر للرئيس _ مرتفع جدًا

سام لا يكتفي بوصف الرئيس، بل يراكم صفات إيجابية متتالية:


«رجل أمن مثقف»

«أكاديمي بارز»

«عالم اجتماع متمرس»

«رجل شرس في سعيه نحو المعلومة والعلم»

«وجهه يشع بطريقة لها مهابتها الكبرى»

«فخامته»

«رئيس يكبر كل يوم»

«الرئيس المحترم»

«الرجل السبعيني»

«رجل لم يكد يتوقف عن العمل واللقاء والحديث والإصغاء»


المشكلة هنا ليست في مدح الرئيس بحد ذاته، وإنما في غياب المسافة الصحفية ، الكاتب - سام الغباري - يدخل اللقاء بوصفه منبهرًا مسبقًا، ثم يخرج منه أكثر انبهارًا. ههه!


٢_. التلميع عبر التفاصيل الصغيرة — الأعلى والأكثر طرافة


في إحدى جزئيات المقال، يتحول من الحديث عن أداء رئيس الجمهورية إلى رسم هالة شخصية حوله.


مثلًا:


«كانت عينا الرئيس الصغيرتان تبتسمان، ووجهه يشع بطريقة لها مهابتها الكبرى»


ثم


«يأتي بحديث الرئيس، ثم يقطع الأكاديمي عنه.. ويدخل في بحور علم الاجتماع»


وهذه صياغة ترفع الرئيس من مستوى المسؤول الذي يمكن مناقشة أدائه إلى شخصية متعددة المواهب: أمني + أكاديمي + عالم اجتماع + سياسي + مؤرخ + مستمع لا يتوقف عن العمل.


3_ التطبيل غير المباشر - أخطر من المباشر يا Fekry Kasim


أقوى مواضع التلميع ليست عبارات المدح، وإنما الاستنتاجات التي يبنيها الكاتب من موقف شخصي محدود.


مثل قوله:


«وهذه أول مرة تحدث في تاريخنا المحمول على الغضب والإقصاء والدم.»


بناء استنتاج تاريخي بهذا الحجم من عبارة قالها الرئيس عن عبدربه منصور هادي فيه مبالغة واضحة.


ثم


«هذه الإشارات اللفظية.. تفيد بمعرفة الرجل السبعيني الذي مكثت معه قرابة نصف يوم.»


أي أن نصف يوم من اللقاء أصبح، في المقال، كافيًا لاستخلاص صورة شبه مكتملة عن شخصية الرئيس!


٤_ تحويل اللقاء الصحفي إلى تجربة وجدانية ههههه


المقال في جزء كبير منه ليس تقريرًا عن لقاء رؤساء المؤسسات الإعلامية بالرئيس، وإنما قصة إعجاب شخصية يا إياد الموسمي


لاحظ كثافة عبارات مثل:


«أسعدني»

«أهابني»

«ارتفع منسوب الارتباك»

«رأيت رئيسًا يصف الرئيس الذي سبقه بأوصاف حسنة»

«هدأ الصوت في داخلي»

«كل اللحظات الطويلة تتزاحم في داخلي»

«قررت بعد صلاة الفجر أن أكتب كل هذا»


وهنا يصبح القارئ أمام انطباع شخصي عن الرئيس أكثر منه قراءة صحفية للقاء.


5 _ التطبيل يصل ذروته في الخاتمة


أكثر فقرة قابلة للاقتباس في باب التلميع هي:


«يجب أن نعينه، وندعو له، ونسانده بصدق وإخلاص.»


هذه لم تعد مهمة صحفي يصف لقاءً مع رئيس جمهورية، إنها أقرب إلى دعوة سياسية/وجدانية لمساندة الرئيس.


ثم:


«أن تفلح في إدارة كل هذا الغضب.. وأن تتهذب مع من سبقك في الرئاسة.. وأن تتحدث بذهن صافٍ وتستجمع كل ذكرى وموقف.. إنه أمر لا يصدق.»


وهنا ينتقل المقال من وصف الرئيس إلى الدفاع عنه وتبرير صعوبة مهمته.


6_ وهناك تطبيل جانبي لشخصيات أخرى


المقال لا يلمع الرئيس وحده.. الكاتب يمنح جرعات من التلميع لعدد من الشخصيات:


عدنان الصنوي: «شقيقنا عدنان، وبه نفاخر»


عبدالله حزام: «الصحافي الكبير، الراهب الأجدر بفنون الخبر وفنياته»


جميل عزالدين: «يفوق ويتفوق في طرحه»


خالد عليان: «بذوقه الرفيع ولغته المتماسكة»


محمد الحاج: «جديته التي تكسو ملامحه»


أي أن المقال يستخدم لغة مديح كثيفة تجاه دائرة اللقاء كلها، لكن الرئيس يأخذ النصيب الأكبر.


7_والمفارقة الأهم يا أستاذة رحمة حجيرة


عنوان المقال.. نصف يوم مع الرئيس!


لكن لو حذفنا تفاصيل البدلة والحذاء والغبار والمكيف والكاميرات والأسلاك والقهوة والشاي وأسماء الحاضرين ومظهرهم، ثم حذفنا عبارات الإعجاب، فماذا يتبقى من المادة الصحفية؟هههه


يتبقى أساسًا.. لقاء الرئيس برؤساء المؤسسات الإعلامية، حديثه عن عدد من الملفات، مداخلات الحاضرين، وأسئلة وأجوبة.