في سنوات الهدنة وخفض التصعيد، بذل الحـ ـوثيون كل الجهد ليكونوا أقوى وأكثر استعدادًا للحرب، كما فعلوا ذلك من قبل في كل الهدن، منذ أكثر من عشرين عامًا. فيما اتجهت جهود بعض ممن يعنيهم الأمر في قيادة الشرعية إلى مجالات أخرى: مزيد من الثراء الشخصي وغسيل الأموال، مع التصريحات بأن السلام هو خيارهم، وأنهم لا يمانعون في تقرير المستقبل السياسي لجزء من الوطن اليمني، وأنهم يؤمنون بتطلعات الانفصاليين في تقسيم اليمن، وهم في الحقيقة، مستعدون، ضمناََ، لبيعه قطعةً قطعةً لمن يدفع. وظلوا يخفون المواقف المؤيدة لوحدة اليمن، مثل موقف مصر، ويحيطون أنفسهم، وخاصة العليمي، بانفصاليين واضحي المواقف المعادية لوحدة اليمن، إلى درجة التطاول والبجاحة.
وإذ يتحدث من يعنيهم الأمر كثيرًا عن خيار السلام، فهم أكثر درايةً وخبرةً بحقيقة الحـ ـوثي، الذي لا يعرف سوى الحرب والقتال، منذ أكثر من اثنين وعشرين عامًا.
في عام 2004، كان الحـ ـوثي يخوض حربه في منطقة محدودة في صعدة، وفي الحرب السادسة، عامي 2009 و2010، كانت تدور الحرب في أربع محافظات يمنية. وفي عام 2014، سيطر الحـ ـوثي على عاصمة البلاد، صنعاء، بسبب بلادة وغباء القادة، بشهادة المبعوث الأممي وتعبيره.
وفوجئ الحوثي بعاصفة الحزم، وأُسقط في يده، ولم يرد بشيء يُذكر أشهرًا، لكن سرعان ما تحول الحزم إلى “إعادة أمل” بلا حزم ولا أمل في الحقيقة، وقال ناطق التحالف، بعد واحد وعشرين يومًا من انطلاق عاصفة الحزم، إن التحالف قد حقق أهدافه.
وانخرط التحالف في حسابات ومواقف مستغربة وخطيرة، بل وحتى ساذجة استراتيجيًا، حتى لا أقول مستهجنة، وتبنى مشاريع تجزئة وتفتيت اليمن، وتفخيخه بمليشيات متناحرة. وتم انسحاب القوات المشتركة من الحديدة، ومن قبلُ تم خذلان جبهة نهم، وسقطت الحزم والجوف من جديد، ومن بعدُ زحف الحوثيون نحو مدينة مأرب. ولا قصور في الأبطال المنافحين عنها، حفظ الله الأحياء، وعافى الله الجرحى، ورحم الله الشهداء، ولكن المشكلة والقصور والتقصير في مكان آخر تحدثنا عنه مراراً. وتمت محاباة الانفصاليين وفرضهم على الحكومة والرئاسة، دون تخليهم عن مشروع الانفصال- ولا أنسى هنا التنويه بموقف السعودية من وحدة اليمن في بيانها الأخير- وذهب السفير آل جابر إلى الحوثيين في صنعاء، وتمت دعوتهم إلى السعودية، وأعلنوا بيعة عبدالملك في الحرم المكي.
والنتيجة هي ما نراه الآن!
بعد عشرة أعوام من الآن، ستكون أرصدة السياسيين التجار الشطار، ومنهم بعض أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، قد زادت كثيرًا، وازدهرت تجارتهم واستثماراتهم، وقد يختفون من المشهد ومن الأنظار لأكثر من سبب. أما صاحب مبدأ الحرب عبر الأجيال، فإذا لم يجد غريمًا مكافئًا، فإنه بعد سنوات، عشر أو عشرين، قد يضرب في أماكن أخرى، وقد يكون وقع الضرب أخطر وأكثر إيلامًا، وقد تتسع مساحة سيطرته أكبر.
ولا أود الإغراق في التشاؤم بالإشارة والتذكير بما أورده، مع آخرين، البروفيسور ريتشارد مورتيل، في كتابه دراسات في مكة والمدينة المنورة وجدة في العصر الإسلامي الوسيط، من أنه كان يؤذن في الحرم المكي، لعدة قرون، بعبارة: “حي على خير العمل” وأن الزيدية كانت تسيطر على مكة، والإثنا عشرية تسيطر على المدينة. ولم يستطع أحد تغيير ذلك، رغم المحاولات، حتى استطاع المماليك ذلك في النهاية، ولكن بعد أكثر من ستة قرون.
وقد يكون مثل ذلك التاريخ دافعًا ومحفزًا للمهووسين، من أمثال الحشد الشعبي والحرس الثوري، على الاستمرار في التربص والفوضى والخراب. أما “صاحبنا” فهو صاحب مقولة: “حرب عبر الأجيال” و”حرب حتى يوم القيامة" في سبيل الولاية والحق الإلهي، وليس في سبيل اليمن واليمنيين.
ولا اعتراض على صيغ الأذان، ولا على المحترمين من كل مذهب ودين، ولا تحفظ على حرية الأديان والمذاهب والعقائد، إلا ما عُرف منها بأنه ينطلق من خلفيات عنصرية، ويتسبب في الخراب والفوضى والاضطراب المستمر، وهدم الدول والأوطان، ونهب حقوق المواطنين وتشريدهم من أوطانهم. ومثل ذلك عرفناه من مذهب الرسي، وأبنائه وأحفاده، منذ أكثر من ألف عام، وحتى الآن.
أما نظيره الآخر، فالعراقيون يصفونه بأنه “مذهب لطم، وليس مذهب حكم”. ولعل الوضع في العراق ولبنان وإيران، منذ نحو خمسين عامًا، شاهد على ظلال بعض الإيديولوجيات والعقائد وفشلها في الإدارة والحكم، حتى في دولة عريقة مثل إيران، ثقافتها الدولتية راسخة منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.