يمتد الخط المتعرج للهاشمية السياسية في اليمن من أواخر القرن التاسع الميلادي إلى مطلع القرن الحادي والعشرين. يتبدل شكله كلما انكسر ويعود كلما ظن الناس أنه انتهى. يدعي هذا الخط قداسة النسب ويستعير دموعه لتبرير السيف، يسقط بعد كل جولة ثم يعود بوجه مختلف وشعار مغاير.
عندما قرر اليمنيون طرد الإمامة من السطح إلى القبو عادت للسطح، فالقبو كما يعرف أي ساكن في صنعاء القديمة لا يموت فيه ساكنوه، لكنه يتحول إلى مخزن للحبوب ومأوى للفئران التي تعود لتقرض في الظلام. اختبأت فيه الهاشمية السياسية ثم خرجت عبر تنظيم سري أطلقت عليه "المجلس الأعلى لحكماء آل البيت". بدا التنظيم كجمعية خيرية لتزويج اليتامى بينما كان يعيد ترتيب أوراق الوراثة ويتسلل إلى الدولة من ثقوبها، حتى يستيقظ اليمنيون يوماً ليجدوا دولتهم رهينة في أيدي هؤلاء الحكماء.
أزيح البدر وغسل اليمن ألف سنة من الغبار بسطل ماء بارد. لكن البدر سليل بيت لا يموت بالرصاص ويتجدد بالادعاء، حمل بندقيته وطار إلى أقصى الشمال وأعلن أن الشرعية الإلهية انسحبت للتخندق ولم تسقط. دخلت الجمهورية حرباً مع فلول الإمامة امتدت ثماني سنوات وانتهت بتسوية عام 1970. قسمت الجمهورية البيت مناصفة مع الإمامة، غرف للدولة وغرف للهاشميين، ولكل غرفة مفتاحها.
بعد هدوء المدافع جلس شيوخ الهاشمية السياسية ليصنعوا خطة الخمسين سنة. أسسوا "المجلس الأعلى لحكماء آل البيت"، اثنا عشر رجلاً يوزعون الأدوار. تسلل واحد إلى القضاء وآخر إلى الجيش، واحتل ثالث منصب وزير. ترأس المجلس أحمد محمد الشامي وزير خارجية الإمامة في المنفى، فوجد نفسه فجأة عضواً في المجلس الجمهوري دون أن يطلق رصاصة واحدة. صار الحكيم جزءاً من رأس الدولة وكأن سبتمبر كان خطأ في كتاب التاريخ.
لم تعد الهاشمية السياسية إلى السطح بالمدافع والخيول، عادت بخطة أبرد وأطول. تسللت إلى مؤسسات الدولة كما تتسرب المياه من جدار مشروخ حتى انهار السقف بعد عقود، فقيل إن الانهيار قضاء وقدر، بينما هو حيلة مدبرة منذ اليوم الأول.
وجدت الهاشمية السياسية ضالتها في علي عبدالله صالح، رجل شغوف بالسلطة كما يُغرم الطفل بلعبة بلاستيكية يحميها ويعض عليها حتى لو كسرت أسنانه. كان صالح لاعب توازنات يستخدم خصومه بعضهم ضد بعض. قالت له الهاشمية السياسية: نحن نخدمك بشرط أن تخدمنا، فسمح لهم بالتغلغل في الجيش والحرس الجمهوري والاستخبارات والقضاء والحزب الحاكم. تحولت الجمهورية من دولة مواطنة إلى مسرح لتوريث جديد، صالح يورث ابنه والهاشمية السياسية تورث الفكرة القديمة بملامح حديثة.
مع الوحدة والتعددية الحزبية عام 1990، قررت بعض المرجعيات الهادوية وضع عمامتها على رأس "حزب الحق". جمع الحزب شتات المرجعيات وأعاد إنتاج الخطاب المذهبي في ثوب سياسي، وجلس في صفوفه بدر الدين الحـ.وثي وأحمد الشامي ومجد الدين المؤيدي. لم تقف اللعبة عند الحزب، ففي 1992 ولد "منتدى الشباب المؤمن" ببراءة ثقافية ثم تحول تدريجياً إلى منصة عسكرية. بحلول 1999 سيطر حسين الحـ.وثي على المنتدى، فتحول السؤال عن كونه نادياً ثقافياً أم مصنعاً لإحياء نظرية البطنين إلى جواب سريع مع اندلاع أول حرب في صعدة عام 2004. لم يعد الأمر ثقافة، صار رصاصاً يعلن أن الإمامة لم تمت ولكنها أخذت إجازة نصف قرن.
التاريخ يقول إن الإمامة سقطت كدولة في 1962 ولم تسقط كفكرة، ظلت تتناسل مثل نبات سام يُقطع غصنه فينبت آخر. الهاشمية السياسية فكرة قديمة تتجدد كلما سمحنا لها بالاختباء في القبو. سبتمبر كان محاولة لطردها من السطح، والنصف الثاني من المعركة يبدأ حين يُقفل القبو ويُقال للفئران: لقد انتهى زمنكم.
محمد عبيد
#صحيفة_النداء