قد لا تكون الرواية الشيعية دقيقة في كل تفاصيلها، وقد لا تكون الرواية السنية مقنعة في نفيها الكامل لأي دلالة سياسية تتعلق بعلي بن أبي طالب.
الأقرب تاريخيًا، في تقديري، أن توجهًا ما كان يدفع بعلي إلى موقع استثنائي داخل الجماعة الإسلامية الناشئة، وأن عمر بن الخطاب فهم هذا الاتجاه وخشي أن تتحول الخلافة إلى امتداد هاشمي مباشر للنبوة، فتدخل لصالح نموذج سياسي أوسع داخل قريش.
تمكن عمر من منع انتقال السلطة إلى بيت النبوة في تلك اللحظة المبكرة، لكن ذلك لم ينه المشكلة. فالتنافس الذي جرى تأجيله عاد للظهور لاحقًا بصورة أكثر حدة بين بني هاشم وبني أمية.
لم يكن أبو بكر من بني هاشم ولا من بني أمية، وكذلك عمر. ولهذا بدا عهدهما، إلى حد كبير، خارج الاستقطاب الذي انفجر لاحقًا بين البيتين الأقوى نفوذًا في قريش.
جاء عثمان الأموي إلى الخلافة في ظروف مختلفة. كان رجلًا صالحًا ووديعًا كما تصفه كثير من المصادر، لكنه لم يمتلك شخصية قيادية قادرة على احتواء العاصفة السياسية المتصاعدة. وانتهت حياته في واحدة من أكثر الوقائع مأساوية في التاريخ الإسلامي المبكر، إذ قُتل داخل داره بعد حصار استمر أربعين يومًا على مرأى ومسمع، وتعرضت زوجته نائلة للأذى (قُطعت أصابعها) أثناء دفاعها عنه، ودُفن في ظروف استثنائية تعكس حجم الانقسام الذي كانت تعيشه الجماعة الإسلامية آنذاك.
ثم جاء علي الهاشمي ليجد نفسه في قلب أزمة مقتل عثمان، وهي الأزمة التي كانت تمزق الجماعة الأولى وتدفعها نحو مواجهة مفتوحة بين أطراف ينتمون جميعًا إلى الرعيل الأول نفسه.
وثمة من اتهم عليًّا بالتواطؤ مع ما حدث.
- علامَ يقتتلون وهم صحابة النبي؟
واستغل معاوية مقتله وما نتج عنه من اضطراب سياسي، مستفيدًا من نقاط الضعف في معسكر علي، لينتهي الأمر بقيام الدولة الأموية وتحول الخلافة إلى ملك وراثي صريح.
وهنا تبرز مفارقة تاريخية لافتة. فإذا كان عمر قد خشي في البداية انتقال السلطة إلى بيت النبوة على نحو يجعلها أقرب إلى التوريث الهاشمي، فإن النتيجة النهائية جاءت في صورة توريث أموي استمر أجيالًا، قبل انتقاله إلى بني العباس، وصولًا إلى بني عثمان، لتصبح الوراثة السياسية السمة الغالبة على تاريخ الخلافة الإسلامية.
لهذا تبدو قراءة التاريخ الإسلامي بعيدًا عن الانحيازات المذهبية ضرورة معرفية، وإن كانت مهمة شاقة وقد تكون صادمة في بعض الحقائق الغائبة.
والمطلوب من الأجيال الحالية والقادمة فهم السياقات السياسية والاجتماعية التي صنعت ذلك الصراع، واستيعاب الكيفية التي انتقلت بها آثاره عبر القرون لتظل حاضرة في الوعي والواقع حتى اليوم.
لا معنى للانتصار لبني أمية أو لبني هاشم.
استدعاء تلك الخصومات إلى واقعنا المعاصر يضرب الوعي التاريخي في الصميم.
العالم الذي أنتج ذلك النزاع انتهى منذ قرون، ما يعني أن الحاضر:
- بأمسّ الحاجة إلى دولة المواطنة والمؤسسات والقانون،
- وبحاجة ملحّة تمامًا إلى قطيعة فكرية نهائية مع صراعات السلالات والأنساب؛
- لأن قيمة التاريخ تكمن في فهمه واستخلاص دروسه، دون أي معنى لإعادة خوض معارك لم تعد تعني أحدًا في عالم اليوم.