آخر تحديث :الجمعة-29 مايو 2026-08:32م

هل يوجد مسار سعودي؟

الجمعة - 29 مايو 2026 - الساعة 08:32 م

د. أحمد عبداللآه
بقلم: د. أحمد عبداللآه
- ارشيف الكاتب


في المحصلة، لم يعد هناك مسار سعودي يعيد "الشرعية" إلى كرسي الحكم في صنعاء، بقدر ما انزاحت جهود المملكة تدريجياً نحو مواجهة قضية الجنوب وتطلعات شعبه.


الرياض، في نهاية المطاف، سخرت طيرانها، وقواتها، وإعلامها، ولجانها الخاصة والعامة، وأموالها، في مسار يهدف عمليا إلى إضعاف الجنوب. وهذا التوجه يجد إسناداً قوياً من تنظيم الإخوان المسلمين، الحليف التاريخي للمملكة في اليمن.


وفي المقابل، حسم أنصار الله المعركة إلى حد بعيد، وتحولوا إلى قوة كبيرة باتت معظم الأطراف تتحاشى الاقتراب منها أو التفكير في مواجهتها الفعلية، باستثناء مواويل الاستهلاك السياسي التي يكررها قادة "الشرعية" منذ أكثر من عشر سنوات، من دون أثر حقيقي على الأرض.


وفي هذا السياق، قدم خطاب تنظيم الإخوان ومعه أطراف أخرى داخل معسكر "الشرعية"، مبررات الهزائم والإخفاقات في الميدان وتسليم مساحات واسعة من المناطق لأنصار الله، على خلفية شعار "عدن أولاً"، وتغيير أولويات المعركة بصورة جعلت مواجهة التطلعات الجنوبية تتقدم على هدف مواجهة مشروع أنصار الله.


وبذلك، انزاح الصراع تدريجياً من معركة يفترض أنها تستهدف استعادة الدولة اليمنية، إلى منع تشكل واقع سياسي في الجنوب قادر على فرض التوازن، حتى وإن جاء ذلك على حساب خسارة الأرض وتآكل ما تبقى من سردية "الشرعية" نفسها. ويبدو أن سياسة المملكة تقبلت ذلك الانزياح ودعمته طوال السنين الفائتة، باعتباره خياراً متاحاً قابل للتوظيف انطلاقاً من هواجس تتعلق بمستقبل الجنوب.


وهذا يقود إلى السؤال الجوهري: إذا لم يعد هناك مسار سعودي واضح فأين استقرت فعلياً نتائج عاصفة الحزم بعد سنوات الحرب والاستنزاف؟ فالنقاش الحقيقي لم يعد يمس شعار البدايات، وإنما الحديث حول خرائط النهايات، ومشاريع السلام ومصير الشرعية وأحزابها، وهل ستظل معلقة في مراحل انتقالية متعددة، تمارس دور "سلطة في الشتات"، بينما تتآكل أدواتها ونفوذها تدريجياً؟ أم ستجد نفسها، في لحظة ما، مضطرة للعودة إلى صنعاء ضمن ترتيبات سياسية تحولها إلى مجرد ملحق شكلي؟


هذا السؤال يكتسب ثقله من طبيعة الواقع القائم على الأرض، خصوصاً في الجنوب، حيث إن غالبية القوات العسكرية الفاعلة لا تتبع عملياً بنية الشرعية الحاكمة. فهناك تشكيلات قوية ذات عقيدة جنوبية تشكلت خلال سنوات الحرب، وهناك تشكيلات سلفية تتبع ولي الأمر أياً كان وفقاً لتعريف المملكة، وهناك فصائل تتبع تنظيم الإخوان، وهناك سلطة سياسية بيروقراطية (غير متجانسة) لا تملأ المكان ولا تملك قراراً حراً أو نفوذاً كاملاً على المناطق المحررة.


في المقابل،يبدو الجنوب أكثر وضوحاً في تعريف أهدافه ومساره السياسي، إذ يمتلك، رغم الأزمات والتعقيدات، مشروعاً ثابتاً لا تغيّره التحولات العابرة ولا تبدلات التحالفات. كما أن القوى الجنوبية تراهن على أن الأزمات الحالية، مهما بلغت حدتها، تبقى مؤقتة ضمن مسار أطول، وأن موازين السياسة في الداخل كما في المنطقة قابلة للتبدل بصورة أسرع مما يتخيله البعض.

ومن هنا، فإن جوهر الصراع لا يتمحور حول تفاصيل اللحظة الراهنة بقدر ما يتعلق بشكل المستقبل، ومن يملك القدرة على التهيئة وفرض حضوره في مرحلة إعادة رسم التوازن على الأرض. لأن عاصفة السعودية مثلما ارتد حزم بداياتها أمام تعقيدات المشهد، ستؤول نهاياتها للضياع في هذا الفضاء المأزوم لأن شروط المستقبل لا توفره فورات الانتقام وردود الأفعال وإنما الحقوق المتجذرة والتضحيات المتراكمة وأهداف تستمد مشروعيتها من التاريخ والواقع معاً.

احمـــــــــــدع

من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك