الموت حق. والدفن في تراب الوطن حق. وحين يكون الميت رئيس جمهورية حكم اليمن 7 سنوات وكان نائباً لرئيسها 28 سنة، يصبح دفنه في أرضه واجباً وطنياً، لا منّة من أحد.
من حق عبدربه منصور هادي أن يُوارى الثرى في اليمن. من حق عدن أن تحتضن ابنها الذي ترعرع على شواطئها وشب على جبالها. ومن حق التاريخ أن لا يُكتب أن رئيس اليمن مات ودُفن غريباً.
دفن الزعماء في أوطانهم ليس تكريماً لأشخاصهم فقط. هو تكريم لفكرة الدولة. هو إعلان أن الوطن أكبر من الخلاف، وأبقى من المنفى. كل دول العالم تدفن رؤساءها في ترابها، حتى لو اختلفت معهم. ديغول، مانديلا، عبدالناصر، بورقيبة. لم يقل أحد: "ادفنوهم حيث ماتوا". قالوا: "هذا ترابهم".
لمنفى لا يليق برئيس.. والموت لا يعرف الخصومة
اختلفنا مع هادي أم اتفقنا، هذا شأن السياسة. لكن الموت يسقط كل الاعتبارات إلا اعتبار الكرامة. لا يليق باليمن أن يقول التاريخ إن رئيسها مات في الرياض ودُفن هناك لأن بلاده أغلقت أبوابها.
الخصومة السياسية تنتهي عند القبر. هذه أخلاق العرب قبل أن تكون أخلاق الدول. علي عبدالله صالح دُفن في صنعاء رغم كل ما جرى. والرئيس إبراهيم الحمدي دُفن في صنعاء. والرئيس عبدالرحمن الإرياني عاد من منفاه في دمشق ودُفن في تعز. لماذا يُستثنى هادي؟
هل نريد أن نؤسس لسابقة خطيرة: أن من يحكم اليمن إذا مات خارجها، يُحرم من ترابها؟ غداً يموت مسؤول آخر في الخارج. هل نتركه هناك؟ هذا عبث بالذاكرة الوطنية.
دفن هادي في عدن ليس انتصاراً لطرف على طرف. هو انتصار لليمن على جرحها. رسالة تقول: عدن تتسع للجميع، حيّهم وميتهم. رسالة تقول للمغترب اليمني في أصقاع الأرض: وطنك سيستقبلك حتى لو جئته في نعش.
تخيلوا المشهد: جنازة رسمية، حرس شرف، علم الجمهورية يُطوى ويسلم لأسرته، هذا المشهد سيداوي شيئاً من انكسار الناس. سيقول لهم إن الدولة ما زالت موجودة، وإن لها قلباً.
أما تركه في منفاه، فهو إعلان موت ثانٍ: موت الدولة التي لا تستطيع أن تدفن رئيسها.
المطلوب الآن.. قبل فوات الأوان
1- قرار سيادي عاجل: من مجلس القيادة الرئاسي بدعوة أسرة الرئيس الراحل للتشاور حول ترتيب عودته ودفنه في عدن.
2- لجنة وطنية للدفن: تضم ممثلين عن الحكومة، والسلطة المحلية في عدن، وأسرة الفقيد، ووجهاء أبين وعدن.
يا سادة، الدول التي تحترم نفسها لا ترمي رؤساءها في مقابر الغربة. هادي جزء من تاريخنا شئنا أم أبينا. له ما له وعليه ما عليه، وحسابه عند ربه. أما حسابنا نحن فهو: هل نكرم تاريخنا أم ندفنه مع أصحابه في المنافي؟
ادفنوا الرجل في عدن. كرّموه لمرة أخيرة كرئيس لليمن، لا كخصم لكم. اكتبوا على شاهد قبره: "هنا يرقد عبدربه منصور هادي.. رئيس الجمهورية اليمنية". واتركوا الأجيال القادمة تحكم له أو عليه.
هذا أقل الوفاء لبلد اسمه اليمن. وأقل الوفاء لمدينة اسمها عدن.
"والله غالب على امره"