رحم الله الرئيس عبد ربه منصور هادي…**
حين تُثقلُ المراحلُ كاهل الرجال
فبعض الرجال لا ينالون المجد اختياراً ، بل تدفعهم إليها عواصف المراحل، ثم يُتركون وحدهم في مهبّ الحسابات، تُثقِلهم الأعباء، وتتجاذبهم الولاءات، ويطالبهم الجميع بمعجزاتٍ لم يتهيأ لها وطنٌ مثخنٌ بالانقسام.
وهكذا هو الرئيس هادي جاء إلى الرئاسة واليمن يقف على حافة زلزالٍ تاريخي، في قلب مأساة عام 2011؛ دولةٌ تتداعى، وشراكاتٌ سياسيةٌ مضطربة، وجيشٌ تمكنت منه الولاءات المتعددة، ونخبٌ لا يجمعها مشروعٌ وطنيٌّ بقدر ما تجمعها الضرورة المؤقتة والتطلع إلى نعيم السلطة.
ولأنك لم تأتِ عبر تفويضٍ سياسيٍّ صريح، بل عبر توافقٍ انتخابي نادر فرضته ضرورات اللحظة، فقد حمل ذلك التوافق في داخله بذور أزمته.
إذ لم ينظر كثيرٌ ممن توافقوا عليك إلى الرئاسة باعتبارها مؤسسةً يجب أن تُصان، بل باعتبارها مساحةً قابلةً لإعادة التشكيل وفق أهوائهم وموازين مصالحهم؛ فكان كلُّ طرفٍ يريد من الرئيس أن يكون رئيسه هو، لا رئيس الدولة.
وهكذا تحوّل التوافق، الذي قُدِّم باعتباره طوق نجاة، إلى حملٍ سياسيٍّ بالغ القسوة؛ تتجاذبه فيه الإرادات،وتتنازعه فيه الضغوط، بينما القرار الوطني يُستنزف بين رغباتٍ متعارضةٍ لأطرافٍ ظنّت أنها، ما دامت قد منحت الشرعية، امتلكت حق الوصاية عليها.
لكن المفارقة المؤلمة أن الذين اعتبروا أنفسهم أساس شرعيتك، لم يصونوا توافقهم هم أنفسهم؛ بل سرعان ما تآكلت شراكتهم، واستبدل بعضهم منطق الشراكة بمنطق الغلبة، ومنطق الدولة بمنطق المحاصصة، وأرادوا الانفراد بمكاسب السلطة، ولو على حساب استقرار التجربة برمتها.
أما أولئك الذين قبلوا برئاستك على مضض، فقد ظلّ جزءٌ من وعيهم السياسي أسير فكرةٍ قديمة: أنهم أصحاب الفضل، وأن عليك أن تبقى ضمن حدود ما يرسمونه لك، لا أن تمارس حقك كرئيسٍ لدولةٍ تبحث عن الخروج من الركام.
وعندما سقطت صنعاء في قبضة الحوثيين، اندفع كثيرون إلى صناعة روايةٍ سهلة: تحميل الرئيس وحده كامل المسؤولية.
لكن التاريخ ــ إن أراد أن يكون عادلاً ــ لا يكتب الوقائع بلغة الانتقائية.
فالطريق إلى صنعاء لم يعبّده شخصٌ واحد.
كان هناك من غازل المشروع الحوثي حتى كبر، ومن فتح له نوافذ السياسة، ومن سهّل له دروب العبور، ومن مكّنه من السيطرة على قدرات جزءٍ كبيرٍ من الجيش في صعدة وفي الطريق إلى صنعاء، ومن تخاذل عند لحظة الاختبار، ومن أتقن الوقوف في المنطقة الرمادية، يلعب على الحبلين بمهارة الانتهازيين وخوف المترددين.
ولذلك فإن سقوط العاصمة لم يكن فعلاً فردياً، بل انهيار منظومةٍ كاملةٍ من الحسابات قصيرة النظر، والأوهام السياسية، والتواطؤات الصامتة.
ثم جاءت لحظة الإقامة الجبرية…
حين ظنّ الحوثي أنه أحكم القبضة على الدولة، وأغلق آخر أبواب الشرعية، وأن الصفحة قد طُويت نهائياً. غير أن تمكنك من الإفلات لم يكن مجرد نجاةٍ شخصية؛ بل كان ــ في المعنى السياسي العميق ــ الخيط الأخير الذي أبقى الشرعية حيّةً في مواجهة مشروع الانقلاب. ولولا ذلك الخيط، لربما أصبحت فكرة الشرعية نفسها أثراً بعد عين.
وحين انطلقت عاصفة الحزم، واستقر بك المقام في الرياض، لم تنتهِ دوائر التعقيد؛ بل أعادت إنتاج نفسها بوجوهٍ مألوفة.
التفّ حولك بعض الذين خذلوك في صنعاء، واستأنفوا اللعبة ذاتها: نصائحُ ظاهرها الإسناد وباطنها المناورة، وتقاريرُ تُرفع باسم الحرص وهي تؤسس للإضعاف، وخططٌ تُرسم للخلافة السياسية بينما تُلقى عليك تبعات الإخفاقات.
كم كان سهلاً على كثيرين أن يجعلوا من الرئيس عنواناً للأخطاء، وكم كان صعباً عليهم أن يعترفوا بحجم أدوارهم في صناعة المأزق اليمني.
إن الإنصاف لا يعني مصادرة النقد، ولا تبرئة التجارب السياسية من أخطائها؛ فلكل تجربةٍ ما لها وما عليها. لكنه يعني أن يُقرأ الرجال في سياق الأزمنة التي حكموا فيها، لا وفق أهواء الخصومات، ولا تحت ظلال الروايات الناقصة.
وعلى المستوى الشخصي، فإنني أكتب هذا العزاء وفي القلب ودٌّ صادقٌ للرجل، وحزنٌ إنسانيٌّ على رحيله.
فقد عرفناك هادئاً في طباعك، مثقلاً بأعباء مرحلةٍ لم تكن عادية، ومحاطاً بدوائر من التعقيد والمناورات والانقسامات التي التهمت اليمن وأوجاعه.
أسأل الله أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن يغفر لك، وأن يجزيك خيراً على اجتهادك، وما أردتَ لوطنك من خير، وأن يعفو عمّا كان من خطأ البشر وتقديرات السياسة.
رحم الله الرئيس عبد ربه منصور هادي…
وأسكنه الفردوس الأعلى، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.