آخر تحديث :الإثنين-26 يناير 2026-01:56ص

تسريبات ويكيليكس لا يصلح دليلاً.. حين يختزل النجاح في الغيرة !!

الإثنين - 26 يناير 2026 - الساعة 12:32 ص

ابتسام الكتيبي
بقلم: ابتسام الكتيبي
- ارشيف الكاتب


3) الاستناد الانتقائي إلى تسريبات ويكيليكس لا يصلح دليلاً


أولاً، فهذه التسريبات بحكم طبيعتها تنقل انطباعات لحظية ومحادثات غير رسمية، لا قرارات دولة ولا مواقف مؤسسية. ولو اعتُمد هذا المنهج، لأُدين معظم قادة العالم استناداً إلى محادثات خاصة أُخرجت من سياقها، وهو ما لا يقبله أي معيار بحثي أو سياسي رصين.


ثانياً، تحويل الإشارة إلى خلافات تاريخية أو توصيفات سياقية إلى دليل على “حقد بنيوي” هو قفزة غير علمية. الخلافات الحدودية والتوترات التاريخية ظاهرة معروفة بين الدول، وقد عالجتها الإمارات والسعودية لعقود عبر القنوات الدبلوماسية والتفاوض والاتفاقيات الرسمية. تصوير ذلك على أنه "اجترار أحقاد" ليس تفسيراً، بل تسييس  للتاريخ بأثر رجعي.


ثالثاً، الادعاء بأن قيادة الإمارات تتحرك بدافع كراهية شخصية تجاه السعودية يناقض السجل الفعلي للسياسة الإماراتية الممتد لعقود: شراكة استراتيجية، تنسيق أمني، تعاون اقتصادي، ومواقف داعمة في ملفات إقليمية حساسة. الدول التي تحكمها الضغائن لا تبني تحالفات طويلة الأمد ولا تستثمر في علاقات مكلفة.


المحصلة، أن ما يُقدَّم هنا بوصفه عوامل تفسيرية  ليس سوى إعادة تأطير للخلاف السياسي بلغة نفسية تجريمية، تُفرغ السياسة من معناها، وتُسقط عن الكاتب عبء مناقشة الوقائع والمسارات الحقيقية. فالخلافات بين الدول لا تُفهم عبر "الحقد"، بل عبر تباين المصالح وتغيّر التوازنات واختلاف الرؤى السيادية وما عدا ذلك، إسقاطٌ لغوي لا يصمد أمام العقل أو التاريخ.


‏4) حين يختزل النجاح في الغيرة !!


اختزال سياسات دولة بحجم الإمارات في "حسد" أو غيرة" ليس تفسيراً سياسياً، بل تبسيط نفسي فجّ يُستخدم حين يعجز الكاتب عن قراءة الوقائع. الإمارات لم تُبنِ مشروعها الوطني في منافسة مع أحد، ولا بوصفها ردّ فعل على نجاح الآخرين، بل صاغت نموذجها الخاص مبكراً وباستقلال كامل: تنويع اقتصادي قبل أن يصبح شعاراً إقليمياً، بنية تحتية عالمية قبل أن تُطرح كهدف، ومكانة مالية ولوجستية جعلتها مرجعاً تُقاس به تجارب دول أخرى.

الإيحاء بأن الإمارات "تغار" من المكانة الدينية للمملكة ادعاء يفتقر إلى الحد الأدنى من المنطق. الإمارات لم تدّعِ يوماً دوراً دينياً بديلاً، ولم تبنِ شرعيتها على الرمزية الدينية، بل على الاستقرار والتنمية والكفاءة وبناء الدولة الحديثة. المقارنة هنا مصطنعة، لأنها تقيس ما لا يُقاس، وتخلط بين أدوار مختلفة لا تتنافس أصلاً.

أما الحديث عن "تحويل الاستثمارات والسياحة" فهو قراءة صفرية لا تنتمي لاقتصاد معولم. نجاح أي دولة خليجية في جذب الاستثمار لا يُعد خسارة للإمارات، بل مكسباً إقليمياً يعزز الاستقرار والتكامل. الإمارات ما زالت مركزاً مالياً ولوجستياً عالمياً، وعقدة رئيسية لسلاسل الإمداد، وبيئة جاذبة للتكنولوجيا والابتكار والشركات متعددة الجنسيات وهي مكانة لم تُبنَ بالدعاية، بل بتراكم مؤسسي طويل.

المفارقة أن كثيراً مما يُقدَّم اليوم بوصفه موضع "غيرة" هو في الأصل سياسات ونماذج سعت دول عدةومنها دولة الكاتب إلى الاستفادة من التجربة الإماراتية أو محاكاتها. وعليه، فإن تحويل الخلافات السياسية إلى دوافع نفسية لا يشرح الواقع، بل يكشف عجزاً عن الاعتراف بأن الإمارات لم تبحث يوماً عن مكانة، بل صنعتها بجهودها وبحكمة قادتها.