أعاد فوز مرشحين مسلمين بمقاعد في الكونغرس الأميركي، وفي مقدمتهم عبد الرحمن السيد الذي أصبح أول مسلم يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ، فتح النقاش حول حدود النفوذ السياسي للجماعات الإسلامية، وشبكات التحالف والتمويل التي قد تستثمر في العملية الانتخابية الأميركية، وسط اتهامات بوجود صلات بين بعض الشخصيات والمؤسسات وجماعة الإخوان المسلمين، لم تثبت حتى الآن بصورة قانونية أو بأدلة معلنة.
وأثار فوز سبعة مرشحين مسلمين على الأقل، مع احتمال ارتفاع العدد إلى ثمانية، جدلاً سياسياً تجاوز دلالات المشاركة والتمثيل الديني إلى التساؤل عن طبيعة التحالفات الانتخابية والجهات الداعمة للمرشحين، خصوصاً عقب فوز الديمقراطي عبد الرحمن السيد بمقعد ولاية ميشيغان في مجلس الشيوخ، بعد منافسة مع الجمهوري مايك روجرز.
وتحول السيد إلى محور حملة اتهامات قادها خصومه الجمهوريون، من بينهم الرئيس دونالد ترامب والسيناتور تيد كروز، اللذان ربطاه بجماعة الإخوان المسلمين، ووصلت تصريحات كروز إلى التحذير من المخاطر المحتملة لوصوله إلى معلومات استخباراتية سرية إذا أصبح عضواً في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ.
اتهامات سياسية وأسئلة كثيرة
وفي تقرير نشره موقع سكاي نيوز عربية ، تناول أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأردنية، زيد عيادات، أبعاد الجدل بشأن صعود المرشحين المسلمين والتحالفات التي تقف خلف بعضهم، داعياً إلى التمييز بين الاتهامات وإثباتها، وبين الانتماء الديني والارتباط التنظيمي.
وأكد عيادات أنه لا يتهم السيد بالانتماء إلى جماعة الإخوان، لكنه يرى أن طبيعة العلاقات والمواقف والجهات الداعمة تستحق البحث والتدقيق، خصوصاً مع وصوله إلى موقع سياسي مؤثر، وما يرافق ذلك من حديث عن طموحه لمنافسة تشاك شومر على قيادة الأغلبية في مجلس الشيوخ.
وتكشف هذه القضية عن جانب من التنافس السياسي الأميركي، حيث لم تعد الحملات الانتخابية تقتصر على البرامج الاقتصادية والاجتماعية، بل امتدت إلى توظيف ملفات الهوية الدينية والارتباطات الفكرية والتنظيمية في استهداف الخصوم، وهو ما يفرض ضرورة التحقق من مصادر التمويل والعلاقات المؤسسية، دون تحويل الانتماء الديني إلى قرينة اتهام أو افتراض وجود ارتباطات تنظيمية لمجرد المشاركة في مؤسسات إسلامية.
وتبرز أهمية التفريق بين وجود أفراد أو مؤسسات تتبنى أفكاراً متقاربة مع تيار سياسي معين، وبين ثبوت وجود علاقة تنظيمية أو تمويلية مباشرة معه؛ فالتشابه الفكري أو المشاركة في نشاط أو تحالف انتخابي لا يكفي وحده لإثبات العضوية أو التبعية.
وتناول عيادات العلاقة بين تيارات اليسار والجماعات الإسلامية في الولايات المتحدة، معتبراً أن تقاطع المصالح في قضايا مكافحة التمييز والمساواة والعدالة الاجتماعية قد يفتح المجال أمام تحالفات انتخابية، رغم وجود تباينات واضحة في ملفات أخرى، بينها الإجهاض وحقوق المثليين.
وبحسب تحليله، قد تستفيد الجماعات ذات القدرة على الحشد الانتخابي من تحالفات مع قوى سياسية توفر لها فرصاً أوسع للمشاركة والوصول إلى المؤسسات، فيما تستفيد تلك القوى من أصوات الناخبين وشبكات التعبئة. ويطرح هذا التقاطع أسئلة بشأن طبيعة المصالح المتبادلة وحدودها، ومدى تأثيرها في المواقف السياسية والتشريعية.
غير أن التصويت لمرشح مسلم أو دعمه من جانب ناخبين ينتمون إلى تيارات مختلفة لا يشكل دليلاً على ارتباطه بجماعة الإخوان، كما أن التحالفات الانتخابية لا تعني بالضرورة التطابق الفكري أو التنظيمي بين أطرافها، وهو ما يستدعي فحص الوقائع والتمويل والصلات الفعلية بدلاً من الاكتفاء بالاستنتاجات السياسية.
واستعاد عيادات تاريخ تأسيس جماعة الإخوان في مصر عام 1928، وتوقف عند أفكار سيد قطب، خصوصاً كتاب معالم في الطريق ، معتبراً أنها شكلت تحولاً في مسار بعض اتجاهات الإسلام السياسي نحو مشروع الاستحواذ على السلطة، وأسهمت في تغذية تيارات التكفير والتطرف اللاحقة. وهي قراءة سياسية وفكرية طرحها الأكاديمي في سياق مناقشة العلاقة بين الدين والمشروع السياسي.
التمويل والتشريع تحت المجهر
ويمتد الجدل إلى مصادر التمويل والعلاقات بين المرشحين والمؤسسات التي تنشط في المجال الإسلامي الأميركي، خصوصاً في ظل اتهامات سياسية بشأن تبرعات تلقاها السيد من أفراد مرتبطين بمؤسسات إسلامية، بينها مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية كير والجمعية الإسلامية لأميركا الشمالية.
وتناول عيادات ملف هذه المؤسسات، مشيراً إلى أن قرارات التصنيف والقيود المتعلقة بها تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والسياسية، وأن وجود شخصيات سياسية تتبنى مواقف متقاربة معها قد يؤثر، من وجهة نظره، في فرص تمرير تشريعات تستهدفها.
لكن المعطيات القانونية تفرض التمييز بين التصنيفات التي تصدرها سلطات محلية في بعض الولايات الأميركية، والقرارات الفيدرالية الصادرة عن الحكومة الأميركية؛ كما أن ورود أسماء مؤسسات في ملفات قضائية أو تلقي مرشح تبرعات من أشخاص مرتبطين بها لا يثبت تلقائياً تورط المؤسسة أو المرشح في نشاط غير قانوني.
ويشير تقرير واشنطن بوست بشأن الاتهامات الموجهة إلى السيد إلى أن خصومه لم يقدموا دليلاً يثبت انتماءه إلى جماعة الإخوان، وأنه نفى وجود صلات تنظيمية بها. كما أورد التقرير أن بعض المؤسسات التي استندت إليها حملة الاتهامات لم تُوجَّه إليها اتهامات جنائية في القضية التي وردت أسماؤها فيها، ونفت ارتباطها بجماعات إرهابية.
وفي المقابل، لا يلغي غياب الأدلة المعلنة بشأن السيد أهمية إخضاع مصادر التمويل والعلاقات السياسية والمؤسسية للتدقيق، وفق القوانين والإجراءات المعمول بها، بعيداً عن توظيف الاتهامات الانتخابية أو الخلط بين الهوية الدينية والولاء التنظيمي.
ويضع فوز السيد، بوصفه أول مسلم يصل إلى مجلس الشيوخ الأميركي، ملف تمثيل المسلمين والتحالفات السياسية المرتبطة بهم أمام نقاش جديد، لا يتعلق بالهوية الدينية بقدر ما يتصل بطبيعة البرامج والمواقف وشبكات الدعم والتأثير داخل المؤسسات الأميركية.
كما يسلط الجدل الضوء على التحدي الذي تواجهه الديمقراطيات في التعامل مع الجماعات الأيديولوجية التي تسعى إلى توسيع نفوذها عبر الانتخابات والتحالفات، وفي الوقت نفسه على مخاطر استخدام الاتهامات غير المثبتة لاستهداف الخصوم أو التشكيك في حقوقهم السياسية بسبب معتقداتهم.