عادت حالة القلق لتخيم على سوق الصرافة في العاصمة عدن، بعد شكاوى متزايدة من مواطنين ومتداولين بشأن إجراءات اتخذتها عدد من شركات ومنشآت الصرافة، تمثلت في رفض التعامل ببعض فئات الدولار الأمريكي، إلى جانب إيقاف عمليات تحويل مالية إلى صنعاء وباقي المناطق الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، وسط غياب أي إعلان رسمي من البنك المركزي اليمني بشأن هذه الإجراءات.
وقال مواطنون، اليوم الأحد، إن عدداً من شركات الصرافة بدأت برفض استقبال الأوراق النقدية من فئات 50 و20 و10 دولارات خلال عمليات البيع والإيداع والتحويل، بحجة وجود كميات كبيرة من هذه الفئات لديها، فيما أبلغت شركات أخرى عملاءها بتوقفها عن تنفيذ تحويلات مالية إلى مناطق سيطرة مليشيا الحوثي دون تقديم أسباب واضحة أو نشر تعليمات صادرة عن الجهات الرقابية.
وأثارت هذه الخطوة حالة من القلق بين المواطنين والتجار، الذين اعتبروا أن رفض فئات محددة من العملة الأجنبية قد يكون مؤشراً على تحولات مرتقبة في سوق الصرف، خصوصاً مع لجوء بعض حائزي العملات الأجنبية إلى التفكير في بيع مدخراتهم بشكل عاجل خشية تراجع قيمتها، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة المعروض في السوق ووقوع خسائر للمواطنين في حال البيع بأسعار منخفضة.
وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان أزمة مشابهة شهدتها عدن مطلع العام الجاري، عندما خفضت شركات صرافة أسعار شراء العملات الأجنبية من المواطنين إلى مستويات أقل من الأسعار المتداولة، بالتزامن مع وقف عمليات البيع، الأمر الذي تسبب بحالة من الارتباك في السوق قبل تدخل البنك المركزي اليمني وإقرار تسعيرة جديدة ملزمة لشركات الصرافة والمصارف.
وأكدت مصادر اقتصادية أن تدخل البنك المركزي حينها جاء عقب تسجيل خسائر مالية كبيرة تكبدها مواطنون وتجار نتيجة بيع الدولار والريال السعودي بأسعار متدنية خلال فترة الاضطراب.
ويأتي الاضطراب الجديد في ظل استمرار هشاشة سوق الصرف اليمنية، التي تعاني من تداعيات الانقسام المالي بين مناطق الحكومة ومناطق سيطرة مليشيا الحوثي، إلى جانب توقف صادرات النفط منذ أواخر عام 2022، وهو ما أدى إلى تراجع أهم مصادر النقد الأجنبي والإيرادات العامة.
كما ساهم ارتفاع الطلب على العملات الأجنبية لتمويل الواردات، واتساع الفجوة بين العرض والطلب، وتراجع الاحتياطيات، في زيادة التقلبات وتعزيز المضاربات داخل سوق النقد.
وحذر خبراء اقتصاديون من أن رفض شركات الصرافة التعامل مع فئات محددة من العملات الأجنبية أو فرض قيود على التحويلات دون قرارات معلنة من البنك المركزي يمثل ممارسات تضر بالقطاع المصرفي وتضعف ثقة المواطنين بالسوق المالية.
وأشار الخبراء إلى أن استمرار هذه الإجراءات قد يدفع المتعاملين نحو السوق غير الرسمية، ويفتح المجال أمام المضاربة والتلاعب بأسعار الصرف، فضلاً عن خلق تمييز غير مبرر بين أوراق نقدية تحمل القيمة الاسمية نفسها، مؤكدين أن أي تنظيم لمثل هذه الإجراءات يجب أن يصدر عبر الجهات الرقابية المختصة.
ودعوا البنك المركزي اليمني إلى سرعة التدخل والتحقق من أسباب هذه الممارسات، وإلزام شركات ومنشآت الصرافة بتطبيق تعليمات موحدة تحمي حقوق العملاء وتمنع حدوث اضطرابات جديدة في سوق العملات.
في المقابل، قالت مصادر في عدد من شركات الصرافة إن بعض الإجراءات الأخيرة جاءت نتيجة توقعات داخل السوق بإمكانية تحسن قيمة الريال اليمني، عقب إعلان مجلس القيادة الرئاسي التوجه نحو استئناف صادرات النفط بعد توقف دام قرابة أربعة أعوام.
وأضافت المصادر أن بعض الشركات تعمل على إعادة ترتيب مراكزها المالية وتقليص حيازتها من العملات الأجنبية تحسباً لأي تغيرات محتملة في أسعار الصرف، إلا أن مراقبين حذروا من أن القرارات الفردية خارج الإطار التنظيمي قد تزيد من حالة عدم اليقين وتفاقم اضطرابات سوق النقد، ما لم يتدخل البنك المركزي لتوضيح موقفه وفرض رقابة صارمة على تعاملات القطاع المصرفي.