لم تعد سجون مليشيات الحوثي تقتصر على المعارضين السياسيين والعسكريين فحسب، بل تحوّلت إلى معتقلات جماعية تضم صفوة المجتمع من نخبٍ علمية، أكاديميين، سياسيين، ومفكرين، إضافة إلى موظفي المنظمات الدولية والأممية.
فوفق استراتيجيةٍ خطيرة تهدف إلى شيطنة النخب، وتجريف الوعي المجتمعي؛ تشن مليشيات الحوثي حملة قمعية ممنهجة، مستهدفة القوى الحية في المجتمع اليمني، مما يهدد بتدمير ما تبقى من بنية مؤسسية علمية وفكرية وتعليمية واقتصادية في البلاد.
واغتنمت مليشيات الحوثي فرصة السلام الهش في تشديد قبضتها من خلال تقليص مساحات النشاط الشعبي والمعارضة السياسية وحرية التعبير.
ومؤخرا، نفذت مليشيات الحوثي حملات اعتقالات جماعية لشخصيات معارضة وحزبية وجماعات من المجتمع المدني ومؤثرين وعاملين في المجال الإنساني، بتهمة التخابر، إلا أن مراقبين، قالوا إن الهدف من هذه الحملة، إفراغ المجتمع من قواه الحية والسيطرة عليه وتحويله إلى واحد من الخزانات التي تمد الجبهات بالأموال والمقاتلين.
اختطاف العقل اليمني
وتتنوع خلفيات الضحايا المستهدفين من قِبل الأجهزة الأمنية والاستخباراتية القمعية التابعة للمليشيات الحوثية، إلا أن القاسم المشترك بين المعتقلين هو: الكفاءة والاستقلالية ورفض التبعية الفكرية .
وتعرضت شخصيات عدة للاختطاف والإخفاء القسري والمحاكمات الصورية المسيّسة، في مناطق سيطرة المليشيات، من الناشطين الحقوقيين والمفكرين من قبل أجهزة القمع الحوثية.
حملة لم تقتصر على المفكرين والناشطين اليمنيين، بل امتدت إلى اختطاف العشرات من اليمنيين الموظفين في وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية.
رسائل أممية
ووصل عدد المختطفين الأمميين وحدهم إلى أكثر من 73 موظفًا معتقلًا بشكل تعسفي، بينهم خبراء اقتصاديون ومحللو سياسات ومهندسو إغاثة يمنيون، انتزعوا من منازلهم ومقار عملهم في صنعاء بتهم كيدية مثل الـ تجسس .
والأربعاء، قالت الأمم المتحدة، إن 73 من موظفيها لا يزالون محتجزين بشكل تعسفي لدى مليشيات الحوثي في اليمن، بعد مرور عامين على حملة اعتقالات طالت عشرات العاملين في المنظمة الأممية ومنظمات الإغاثة والمجتمع المدني، مجددة دعوتها للإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين.
وقال نائب المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، فرحان حق، في بيان، إن الأمين العام للأمم المتحدة يدين مجدداً احتجاز موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات غير الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية من قبل سلطات الحوثيين، بما في ذلك حملات الاعتقال التي شهدتها الأعوام 2021 و2023 و2024 و2025.
وأضاف أن أحد موظفي الأمم المتحدة توفي أثناء احتجازه، فيما لا يزال عدد من المحتجزين رهن العزلة التامة، دون السماح لهم بالتواصل مع الآخرين، معتبراً أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي.
تجارة الاعتقالات
وتحولت سجون الحوثي إلى سوق سوداء لابتزاز الأسر؛ فلم تعد الاختطافات الحوثية مجرد أداة قمع سياسي، بل تحوّلت -وفق شهادات أهالي الضحايا- إلى تجارة اقتصادية مربحة وابتزاز ممنهج.
وأكد بعض أهالي المختطفين لـ العين الإخبارية ، أن مليشيات الحوثي تعمد إلى إخفاء النخب قسريًا، ثم تفرض -عبر سماسرة ومندوبين- مبالغ مالية باهظة على أسر الضحايا مقابل مجرد السماح بالزيارة، أو إدخال الأدوية، أو إعطاء وعود زائفة بالإفراج تحولت إلى تجارة سجون متكاملة.
تضييق الخناق
وبحسب رئيس مركز اليمن لدراسات حقوق الإنسان، محمد قاسم نعمان، فإن ما يمارسه الحوثيون تجاه المثقفين والأكاديميين والمفكرين والحقوقيين ونشطاء منظمات المجتمع المدني؛ يدخل ضمن مفهوم احتكار السلطة والنفوذ، التي يمارسونها في مناطقهم.
ويرى نعمان، خلال حديثه مع العين الإخبارية ، أن الحوثيين وسعوا في الآونة الأخيرة ممارسات تضييق الخناق على الفئات والشخصيات النخبوية التي مازالت متواجدة في مناطق سيطرة المليشيات الحوثية، وهي نخب فرضت عليها ظروف الحياة البقاء هناك.
وأرجع نعمان أسباب هذه الممارسات، إلى رفض الحوثيين مجرد الاستماع لنصائح أولئك الشخصيات والنخب؛ لوقف أساليب القمع والإرهاب تجاه المواطنين والسياسيين والاقتصاديين والحقوقيين، والأكاديميين والمفكرين.
مطالب بموقف دولي
وأكد الخبير اليمني أن استمرار هذا النهج القمعي، وانتهاك حرية الرأي والتعبير، وعدم احترام الحقوق الإنسانية في الحياة يستدعي موقفًا دوليًا لكبح جماح هذه الانتهاكات .
ودعا نعمان إلى توفير ضمانات لممارسة الحقوق الإنسانية التي شرعها الله وأيضًا استنادًا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، والمواثيق والعهود والاتفاقات الدولية.
في صدارة هذه الحقوق الإنسانية تبرز حرية الرأي والتعبير، لذلك نجدها فرصة هنا لنؤكد دعمنا لكل صور تلك الحقوق، وحق كل فئات ومكونات المجتمع المناهضين لممارسات القمع والقهر والظلم والإرهاب الذي يمارسه الحوثيون ، يضيف الخبير اليمني.
ودعا، القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية لمواجهة هذه الأساليب القمعية التي تستهدف النخب المجتمعية، عبر أنشطة وفعاليات ترفض هذا القمع والإرهاب.