آخر تحديث :الخميس-14 مايو 2026-10:24م
اخبار وتقارير

كادر متعاقد و160 ألف مريض سنوياً.. عيب الإدارة أم المنظومة؟ مستشفى اليمن السويدي بتعز بعد وفاة صفية

كادر متعاقد و160 ألف مريض سنوياً.. عيب الإدارة أم المنظومة؟ مستشفى اليمن السويدي بتعز بعد وفاة صفية
الخميس - 14 مايو 2026 - 08:06 م بتوقيت عدن
- تعز - نافذة اليمن - وحدة الرصد - محرم الحاج

ماتت الطفلة صفية في مستشفى اليمن السويدي بتعز، وانتشر الخبر كالنار في الهشيم.

واتجهت التعليقات مباشرة لتحميل الإدارة والكادر الطبي مسؤولية الإهمال. هاشتاقات تطالب بإقالة المدير، وصور متداولة وُصفت بأنها دليل على التقصير.

لكن وسط الضجيج، ظهرت وثائق رسمية وتقرير سنوي للمستشفى للفترة (2022-2025) احتفظت بنسخة منه، يروي قصة مختلفة بالأرقام. فأين الحقيقة؟

رواية الإدارة: ضغط لا يُحتمل واستهداف شخصي

التقيت صباح اليوم مدير المستشفى، الدكتور سامي حمود الشرعبي، في مكتبه. لم يتحدث عن تفاصيل الحادثة، لكنه لمح إلى أنها "لم تأتِ من فراغ" ووصف ما يجري بأنه حلقة ضمن حملة ممنهجة تستهدف إدارته.

يقول الشرعبي: "أنا حزين لموت صفية. لكن ما يجري استهداف شخصي". ويؤكد أنه ينتظر نتائج لجنة التحقيق المشكلة من قيادة المحافظة، ومرحباً باتخاذ إجراءات قانونية رادعة ضد أي مقصر يثبت عليه التقصير.

المشكلة التي طرحها المدير ليست شخصية فقط. يتحدث عن واقع تشغيل قاسٍ: 340 موظفاً، كلهم متعاقدون، رواتبهم تُصرف من الدعم الشعبي. لا تأمين صحي، لا استقرار وظيفي، وضغط نفسي كبير على الكادر. بعض الأطباء، بحسب قوله، يفكرون بمغادرة تعز إلى مأرب أو التوقف عن العمل بسبب الحملة الإعلامية الشرسة التي استهدفت المشفى.

ماذا تقول الأرقام والوثائق؟

التقرير السنوي (2022-2025) للمستشفى، الذي احتفظت بنسخة منه، يعرض أرقاماً تكشف حجم التحدي والضغط:

حجم العمل والضغط: استقبل المستشفى 97,497 حالة في 2022، ثم 139,908 في 2023، ووصل إلى 170,651 حالة في 2024، قبل أن يستقر على 166,221 حالة في 2025. أي أكثر من 160 ألف مريض سنوياً يخدمهم 347 موظفاً فقط. 72% من هذا الكادر يعمل بعقود مؤقتة: 240 متعاقد مقابل 92 موظفاً رسمياً.

الجانب المالي والإعفاءات: بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 خمسماية مليون ريال. من هذا المبلغ، ذهب 100 مليون ريال كتخفيضات وإعفاءات للفقراء، أي 20% من الإيرادات تُمنح مباشرة كخدمة اجتماعية.

التجهيزات والبنية التحتية: يوثق التقرير دخول تجهيزات طبية كمنح من منظمات دولية بين 2022 و2024. من منظمة الصحة العالمية WHO وصلت أجهزة مراقبة مرضى، حضانات أطفال، أجهزة تنفس Baby CPAP، مضخات محاليل، وأجهزة تخدير وأشعة محمولة. ومن UNFPA وUNICEF وCaritas وصلت حضانات إضافية، أجهزة مراقبة جنين، أجهزة تعقيم، وأجهزة تنفس صناعي. وعلى الأرض، تم تركيب محطة طاقة شمسية لتأمين الكهرباء وتقليل كلفة التشغيل، ومولدات أكسجين لمواجهة احتياجات العناية المركزة والطوارئ، وإعادة تأهيل أقسام الحضانات والعناية المركزة والعظام والطوارئ.

نظام الرقابة الداخلية: يشير التقرير إلى وجود آلية للرصد والتوثيق ومراجعة الملفات وإعداد تقارير إحصائية دورية ومتابعة مؤشرات الجودة. هذا لا يمنع الخطأ البشري، لكنه يوضح أن المستشفى لا يعمل بدون نظام متابعة.

النقطة الحرجة: الأرقام لا تبرر الخطأ

تقول البيانات السابقة إن المستشفى يعمل تحت ضغط هائل وبإمكانيات محدودة وبكادر غير مستقر. لكنها لا تنفي إمكانية حدوث إهمال فردي.

يحدث الخطأ الطبي حتى في أفضل مستشفيات العالم. الفرق يكون في آلية التحقيق والشفافية والمحاسبة بعد وقوعه. تحميل المدير مسؤولية كل حالة وفاة يعني أن أي مدير سيهرب من المنصب، وأي طبيب سيفكر ألف مرة قبل أن يلمس حالة حرجة. والنتيجة تكون خسارة ما تبقى من الكادر وهجرة الكفاءات.

غياب صوت الطرف الآخر

للأمانة المهنية، بُني هذا التحقيق على زيارة للمستشفى ومراجعة التقرير السنوي الذي احتفظت به ولقاء مديره. لم أتمكن حتى الآن من الحصول على رواية أهل الطفلة صفية بشكل مباشر، ولا على نتائج لجنة التحقيق المشكلة. بدون هذين الصوتين، أي حكم نهائي سيكون ناقصاً ومجحفاً.

الخلاصة: إنصاف لا يعني تبرئة

الإنصاف هنا يعني شيئين معاً:

(أولاً): إنصاف الطفلة صفية وأهلها عبر تحقيق شفاف ومستقل، ومعاقبة من يثبت تقصيره، مهما كان منصبه.

(ثانياً): إنصاف المستشفى والكادر عبر عدم تحويلهم إلى كبش فداء لمشاكل نظام صحي منهار كاملاً. 340 موظفاً متعاقداً لا يمكن أن يحملوا وحدهم مسؤولية انهيار القطاع الصحي في تعز.

السؤال المفتوح أمام الرأي العام والسلطة المحلية: هل نريد إصلاحاً حقيقياً للقطاع الصحي في تعز، أم نريد كبش فداء كل عامين لتبرير الفشل ونعود لنقطة الصفر؟

ستتحدد الإجابة بعد صدور نتائج التحقيق. وحتى ذلك الحين، دور الإعلام أن ينقل الروايتين، ويعرض الوثائق، ويضغط من أجل تحقيق لا يُطبخ على نار السياسة.