ذلك سرّه المكين. لا يقدّمه باعتباره وصفة قابلة للتكرار . هو فحسب يكتفي بالتلميح إليه متجنبا التصريح، والتلميح دوما أقوى من التصريح ، في تجربة الفنان والحُب والحياة بكل تنويعاتها. حتى في السلف/ الإقتراض؛ التلميح أقوى من التصريح.
كأن لحظة الخلق عنده حالة وجدانية سرية عصبة على الشرح والإيضاح.
يقول المحضار ردا على سؤال الكشف والخلق الفني :
«النوب أنا، واعرف قراصي، والجبح والمجنا
صبّ العسل من اختصاصي، ما باك تسألنا
والنوب لا كملت قراصه، يحن في وسط جبحه الخاص»
بهذا القدر يكتفي: معرفة داخلية بأداته،وبالصوت الذي يحنّ في جوفه حين تكتمل القصيدة. ما عدا ذلك يظل خارج اللغة.
يقدّم نفسه كنحلة تعرف مساراتها وتمتصّ الرحيق من أزهار متفرّقة.
هذه مرحلة الالتقاط من العالم الخارجي: حياة الناس من حوله، مدينته والأماكن التي سكنها وسكنته، ما وقف عليه من غناء وشعر وتجارب سبقته وأسست أو شاركت في تراث الفن والغناء في حضرموت . يصب ذلك كله في ذاته ، في معمل الفن ، في الجبح او العالم الداخلي الذي تعود إليه النحلة، لتحويله إلى عسل:
«صبّ العسل من اختصاصي»
هنا يكمن سر التحويل. أتذكر الشاعر الفرنسي ألان جوفروا وهو يتحدث عن بياض الصفحة، وكيف كان يملؤه بما يدونه في دفاتر ملاحظاته اليومية ، ما يلتقطه من حياة الناس والشوارع ووجوه المارة وعبارات الإذاعة العابرة؛ كان يعتبرها مادة خام يعيد عجنها وصياغتها.
والمحضار، في كونه الحضرمي، لم يكن يكتب من فراغ أيضاً.
كان هو الرادار الذي يلتقط ذبذبات الحياة اليومية في الشحر وموروث الغناء الشعبي في حضرموت، يلم بالأمثال والمفردات والحكايات ، وأنغام الدان ، وإيقاعات الرقصات . لم يكن ينقلها كما هي. كان يحولها إلى قصائد محضارية ملحنة في جبحه الخاص.
الشاعر لا يوجد من العدم. انه ذو صلة بمجتمعه ومؤلف لترددات العالم من حوله.
تجاوز التوصيف السيري للشاعر الفنان حسين المحضار يقودنا إلى السؤال الجوهري: كيف يعمل هذا الفنان من الداخل؟
بؤرة الذات عنده هي مركز الخلق الفني. الأشياء في الخارج، من إيقاعات ووجوه ومفردات، ليست سوى مواد أولية تدخل في عملية معالجة داخلية معقدة. تماماً كما كان الشاعر ألان جوفروا يعيد تدوير ملاحظات الشارع، كان المحضار يعيد صياغة حضرموت واليمن بكلها داخل وجدانه.
يستلهم الموروث الشعبي ويذوبه داخله. يجعله جزءاً من اشتغاله الذهني وإحساسه، حتى يغدو اللحن والكلمة تعبيراً عن حالة يتحد فيها الشاعر مع بيئته وناسه. الفهم هنا يكمن في إدراك تلك اللحظة الغامضة التي تكف فيها الأشياء عن كونها خارجية لتصبح جزءاً من نبض الشاعر الخاص.
إن ما يفعله المحضار هو إعادة إنتاج للعالم خارجه عبر بؤرة الذات. في تلك البؤرة، يحدث التفاعل في موقد الإنفعال الذي يحول الخارج إلى داخل.
بؤرة الذات الخلاقة هي المكان الذي يفقد فيه الخارج صفته "الخارجية" ويتحول إلى مادة للخلق الفني.
التحويل ، هو تفسير لآلية الخلق الفني. المحضار يستوعب الواقع ويهضمه، وما يخرج منه هو مادة حيوية جديدة تماماً.
*مقطع من مقالة طويلة لي —3999 كلمة- عن الشاعر حسين أبوبكر المحضار