آخر تحديث :الأحد-10 مايو 2026-09:08م
اخبار وتقارير

أوكار الدجل والشعوذة في تعز.. تتمدد على مرأى الدولة.. فراغ قانوني أم تواطؤ؟

أوكار الدجل والشعوذة في تعز.. تتمدد على مرأى الدولة.. فراغ قانوني أم تواطؤ؟
الأحد - 10 مايو 2026 - 08:02 م بتوقيت عدن
- تعز - نافذة اليمن - تحقيق/ محرم الحاج

لم تعد الشعوذة في تعز مهنة سرية تُمارس في الخفاء، بل تحولت – وفق رصد ميداني – إلى سوق سوداء علنية، تديرها شبكات منظمة تتمدد في الأحياء الشعبية والأرياف، مستفيدة من فوضى الحرب وغياب مؤسسات الدولة، ومتغذية على جهل الناس ويأسهم.

هذا التحقيق يكشف خيوط هذه الظاهرة: من يدير هذه الأوكار؟ من هم ضحاياها؟ ولماذا تلتزم السلطات الصمت؟

خريطة التمدد: من دكان صغير إلى شبكة منظمة

كل ما يحتاجه الدجال اليوم هو محل مستأجر، ولافتة تحمل عبارات مثل “العلاج بالقرآن” أو “الطب الروحاني”، إلى جانب رقم هاتف يُنشر على مواقع التواصل. بعدها يبدأ استنزاف الضحايا، ماديًا ونفسيًا.

ووفق توثيق ميداني، تنتشر أكثر من 40 وكرًا للشعوذة في مديريات القاهرة والمظفر وصالة وحدها، تعمل بشكل علني في الشوارع الرئيسية، دون أي تراخيص رسمية من الجهات المختصة.

من الفقر إلى الثراء عبر بوابة الوهم

تكشف مقابلات مع مصادر محلية أن كثيرًا من هؤلاء المشعوذين كانوا عمالًا أو تجارًا خسروا أعمالهم، أو عاطلين عن العمل، قبل أن يجدوا في الدجل تجارة مربحة بلا رقابة أو ضرائب. وخلال فترة وجيزة، يتحولون إلى “معالجين” يدّعون طرد الجن، وجلب الرزق، وحل المشكلات الاجتماعية.

الحصيلة الأولية لهذه الممارسات ثقيلة: أموال منهوبة، أسر مفككة، وانتهاكات تمس كرامة الضحايا تحت غطاء “العلاج”.

داخل غرف مغلقة.. التعذيب باسم الرقية

تمكن فريق التحقيق من دخول أحد مراكز “العلاج بالقرآن” متخفيًا، حيث وثق ممارسات وصفت بأنها تعذيب ممنهج. يتم تقييد المرضى، ووضعهم في غرف معتمة، ثم ضربهم بعصي حتى تظهر آثار الضرب على أجسادهم، وسط مشاهد تمثيلية يدّعي فيها “المعالج” التفاوض مع الجن.

تنتهي هذه الجلسات عادة بانهيار الضحية جسديًا ونفسيًا، في حين يروج الدجال لنفسه باعتباره منتصرًا على “قوى خفية”.

مرحلة النهب: تجارة مربحة بلا حدود

بعد ما يسمى “العلاج”، تبدأ مرحلة الاستنزاف المالي. تُباع مواد مجهولة المحتوى في أظرف صغيرة بأسعار تصل إلى 30 ألف ريال، فيما قد تتجاوز تكلفة “برنامج العلاج” نصف مليون ريال. وفي حالات كثيرة، يضطر الضحايا لبيع ممتلكاتهم أو الاقتراض لتغطية هذه النفقات.

زبائن من طبقات عليا

لا تقتصر هذه الظاهرة على البسطاء، إذ تشير شهادات موثقة إلى أن بعض الزبائن ينتمون إلى فئات نافذة، بينهم مسؤولون وضباط ومديرو مؤسسات، يلجؤون إلى هذه الأوكار لطلب “تعويذات” تتعلق بالمناصب أو النفوذ أو المال، مقابل مبالغ قد تصل إلى ملايين الريالات.

النساء.. الضحية الأكثر استهدافًا

رصد التحقيق نمطًا متكررًا يتمثل في استهداف النساء بشكل خاص، حيث تُستدرج الضحايا بحجج علاج مشكلات اجتماعية أو أسرية، لتتحول العملية إلى استنزاف مادي ونفسي متكرر، ينتهي غالبًا بخسائر فادحة على مختلف المستويات.

ترويج علني عبر الإنترنت

امتد نشاط هذه الشبكات إلى الفضاء الرقمي، حيث تنتشر صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تروج لخدمات “العلاج الروحاني”، مدعية القدرة على علاج أمراض خطيرة، مع عرض أرقام تواصل مباشرة، دون أي رقابة.

غياب المساءلة القانونية

رغم حجم الانتهاكات، لم تُسجل حالات محاسبة واضحة بحق هذه الممارسات، بحسب ما خلص إليه التحقيق. ويرجع ذلك – وفق آراء قانونية – إلى غياب نصوص صريحة تُجرم الدجل، ما يدفع إلى تصنيف هذه القضايا تحت بند “النصب والاحتيال”، وهي تكييفات لا تعكس حجم الجريمة.

خلاصة التحقيق

تكشف المعطيات أن الظاهرة تتوسع في ظل غياب رقابة حقيقية، ما يثير تساؤلات جدية حول دور الجهات المعنية، وما إذا كان الأمر مجرد فراغ قانوني أم حالة من التغاضي المستمر.

وفي ظل هذا الواقع، تبقى هذه الأوكار مفتوحة، تستقطب مزيدًا من الضحايا، بينما تستمر دائرة الاستغلال دون توقف.