حصلنا على حزمة وثائق رسمية تعود لشهر أبريل 2023، تكشف نمط فساد ممنهج يضرب المراكز الصحية بمحافظة تعز، ويحوّل حوافز الدعم الشعبي واموال المنظمات الدولية من استحقاق للكادر المؤهل إلى غنيمة للمحسوبية والتزوير..
الوثائق التي نحتفظ بأصولها تخص أحد المراكز الصحية -نموذجاً- وهو مركز 22 مايو بمديرية المظفر، وتؤكد مصادرنا الطبية أن ما ورد فيها يتكرر بصورة متطابقة في غالبية المراكز الصحية في المحافظة.
هذا التحقيق الاستقصائي رصد 7 مخالفات جسيمة موثقة تُشكل جرائم وفقاً لقانون الجرائم والعقوبات وقانون مكافحة الفساد رقم 39 لسنة 2006:
( ازدواجية الصرف :... راتبان لموظف واحد)
تُظهر كشوفات أبريل 2023 أسماء تتقاضى "حافز الدعم الشعبي" الممول حكومياً، و"حافز المنظمات" الممول دولياً في ذات الشهر. وهذا يخالف صراحة تعميم وزير المالية رقم 4 لسنة 2020 الذي يمنع الازدواج في الاستحقاق المالي.
(عقود المحسوبية... الوظيفة للأقربين )
وثقت المستندات إبرام عقود مع مقربين وذوي مسؤولين في المراكز، رغم وجود كوادر مؤهلة في قوائم الانتظار. المادة 7 من قانون الخدمة المدنية رقم 19 لسنة 1991 تجرّم استغلال النفوذ في التوظيف.
( تزوير الصفات:... اختراع مناصب وهمية)
لجأت إدارات مراكز إلى "تطوير" صفات وظيفية غير معتمدة في الهيكل الرسمي لوزارة الصحة، مثل "مساعد فني خاص" أو "منسق ميداني"، بهدف وحيد هو إدراج أصحابها في كشوفات دعم المنظمات ونهب الحوافز بالعملة الصعبة.
( كادر غير مؤهل ... خطر على حياة المرضى)
تؤكد الوثائق التعاقد مع أشخاص لا يحملون تراخيص مزاولة المهنة أو مؤهلات صحية معتمدة، للعمل في مراكز صحية. وهذا انتهاك صريح لقانون مزاولة المهن الطبية رقم 26 لسنة 2002، ويعرّض أرواح المواطنين للخطر.
( تناقض البيانات:... الموظف بوجهين )
يكشف تحليل الكشوفات أن الاسم الواحد يظهر بصفة "فني مختبر" في كشف الدعم الشعبي، وبصفة "مدخل بيانات" في كشف المنظمات لنفس الفترة. الهدف: مضاعفة الحافز المستلم و التحايل على رقابة الجهات المانحة.
(جمع المناصب: مخالفة 3 في 1)
ترصد الوثائق حالة موثقة في مركز 22 مايو، حيث يجمع مدير المركز -بصفته الوظيفية- بين ثلاثة مناصب في آن واحد: مديراً للمركز الصحي، ورئيساً لنقابة المهن الفنية و منسقاً للترصد الوبائي بمديرية المظفر . المادة 18 من قانون الخدمة المدنية تحظر الجمع بين وظيفتين، فكيف بثلاث؟
( الموظف الشبح:... أسماء تقبض ولا تداوم. )
تم رصد "كادر وظيفي وهمي" في كشوفات حافز المنظمات لأشخاص لا وجود لهم ميدانياً في المركز، ويتم استلام مخصصاتهم عبر وسطاء. الواقعة تشكل جريمة "استيلاء على مال عام" وفقاً للمادة 162 عقوبات.
وتؤكد مصادرنا الطبية أن مركز 22 مايو ليس حالة استثنائية، بل عينة تكشف خللاً بنيوياً في آلية إشراف مكتب الصحة والسكان بالمحافظة على أموال المنظمات، وسط صمت لجان الرقابة المحلية.
معد التحقيق وضع كافة الوثائق والمستندات التي بحوزته تحت تصرف النيابة العامة والجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، وتطالب بفتح تحقيق عاجل وشفاف، وإحالة كل من يثبت تورطه إلى القضاء، استناداً إلى قانون مكافحة الفساد. فأموال الإغاثة ليست غنيمة، وأرواح الناس ليست محلاً للتجريب.