آخر تحديث :الأحد-03 مايو 2026-12:54ص

حين يتحول الحلم إلى احتمال… هل يولد يمن جديد؟

السبت - 02 مايو 2026 - الساعة 11:08 م

د. علي العسلي
بقلم: د. علي العسلي
- ارشيف الكاتب


ليست كل الصور القادمة من الميدان مجرد لقطات عابرة تمرّ مرور الكرام؛ بعضها يُعلن—بهدوء—أن زمنًا جديدًا قيد التشكّل، أو على الأقل يُعاد رسمه في عقول صُنّاع القرار.


إن الحديث المتجدد عن مشروع مدّ أنبوب نفط سعودي عبر المهرة وحضرموت وصولًا إلى بحر العرب ليس “تفصيلًا تقنيًا” في قطاع الطاقة، بل مؤشر على إعادة تشكيل الخريطة: من جغرافيا تُستهلك إلى جغرافيا تُستثمر. ورغم أنه لا يزال في طور النقاش، فإن مجرد عودته إلى الطاولة يكفي لطرح السؤال الكبير: أيُّ يمنٍ يمكن أن يولد من رحم هذه التحولات؟


من الهامش إلى المتن: مشروع يُعيد رسم موقع اليمن


هذا المشروع—إن كُتب له أن يرى النور—لا يعني فقط نقل النفط، بل نقل اليمن من “هامش” المعادلات الإقليمية إلى “قلبها”. فاليمن، الذي استُنزف لسنوات كساحة للصراعات، قد يجد نفسه فجأة شريكًا حيويًا في أمن الطاقة العالمي، وجسرًا استراتيجيًا يربط دول الخليج بالمحيط المفتوح، بعيدًا عن اختناقات الجغرافيا ومخاطر المضائق الدولية.


غير أن الطريق نحو هذا “اليمن الجديد” لا تُعبّده الأنابيب وحدها؛ بل تُعبّده السيادة. فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بضخامة الاستثمار، بل بقدرة الدولة على تحويلها إلى مكاسب وطنية حقيقية: عوائد عادلة، ولاية قانونية كاملة، وشراكة متكافئة لا تُقايض الأرض ولا القرار.


المفارقة: فرصة تاريخية أم فخ استراتيجي؟


وهنا تكمن المفارقة: فالمشروع ذاته يمكن أن يكون فرصة تاريخية تؤسس لازدهار مشترك، أو فخًا استراتيجيًا يعيد إنتاج الأزمات بوسائل أكثر نعومة. واليمن اليوم ليس بحاجة إلى “أنبوب نفط” فحسب، بل إلى “أنبوب سيادي” من القاعدة إلى القمة، يمر عبر مؤسسات قوية، ورؤية وطنية واضحة، وإجماع سياسي يُحسن التفاوض ولا يُفرّط في الحق.


فالثروات لا تصنع الدول… بل الدول هي التي تصنع قيمة الثروات.

والشراكة ليست انتقاصًا من السيادة، بل اختبارٌ لقدرتها على الصمود.


نماذج الشراكة: تجربة “اليمنية” وآفاق “الكهرباء”


أما الشراكة مع السعودية، فهي—إن أُحسن بناؤها—تمثل رافعة حقيقية لإعادة تشكيل الاقتصاد اليمني، بشرط أن تكون شراكة “دولة لدولة” لا علاقة احتياج، وتكامل مصالح لا اختلال موازين.


وتُعدّ الخطوط الجوية اليمنية نموذجًا لنجاح الشراكات المتوازنة؛ إذ تعمل كشركة مساهمة مشتركة منذ أواخر السبعينيات، مع احتفاظ الحكومة اليمنية بالحصة الحاكمة (51%) مقابل (49%) للجانب السعودي. هذه الصيغة لم تُلغِ الهوية الوطنية، بل عززتها؛ إذ ظل القرار السيادي بيد اليمن، فيما استفادت الشركة من الخبرة التشغيلية والدعم الفني للشريك. وهكذا تتجسد الشراكات الذكية: لا تُذيب السيادة، بل تُقويها عبر التعاون المنضبط.


الشراكة الناجحة لا تُقاس بما يدخل من الخارج… بل بما يبقى من القرار في الداخل.


الكهرباء: الأنبوب الخفي للسيادة اليومية


وفي ملف الطاقة، تبرز ملامح تعاون واعد بين اليمن والمملكة العربية السعودية، وإن كان لا يزال في طور السعي والتفعيل. يلوح مشروع الربط الكهربائي كـ“أنبوب خفي” لا ينقل النفط، بل ينقل الاستقرار. وهو مشروع استراتيجي قديم يُعاد إحياؤه، يستهدف تزويد حضرموت وشبوة والمهرة بطاقة مستقرة، بما يخفف الضغط عن عدن، ويعيد توزيع الموارد على نحو أكثر كفاءة، ويسهم في تحسين الخدمة في المحافظات المحررة.


وتؤكد التصريحات الرسمية لوزير الكهرباء المهندس عدنان الكاف أن الحكومة تعمل على إعادة إحياء المشروع الذي تعثر سابقًا بفعل الظروف السياسية، ضمن مسار أوسع لإصلاح قطاع الطاقة.


هذا ليس حلًا تقنيًا عابرًا؛ بل إعادة صياغة لعلاقة الدولة بخدماتها الأساسية. فالكهرباء هنا ليست خدمة فقط، بل سيادة يومية تُقاس بعدد ساعات الضوء في حياة الناس.


فإذا كان أنبوب النفط يعيد تعريف موقع اليمن في الجغرافيا السياسية، فإن الربط الكهربائي يعيد تعريف معنى الدولة في الواقع اليومي للمواطن.


ورغم أن المشروع لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، إلا أنه—مقترنًا بالدعم القائم في الوقود وتشغيل محطات التوليد—يعكس مسارًا مختلفًا: شراكات تُعالج الاختلال دون أن تنقل القرار، وتستثمر العمق الإقليمي دون أن تذيب السيادة.


الدولة لا تُختبر فقط في الحروب… بل في قدرتها على إبقاء الضوء مشتعلًا.


ختامًا…


في نهاية المطاف، قد لا تكون الأنابيب قد وصلت، ولا خطوط الكهرباء قد اكتملت، وقد لا يكون التنفيذ قد بدأ كما توحي بعض التوقعات، لكن المؤكد أن “الأفكار الكبرى” عادت إلى الواجهة. وحين تعود، فإنها لا تعود عبثًا.


السؤال لم يعد: متى يبدأ المشروع؟

بل: هل نحن—كدولة ومؤسسات—مستعدون لامتلاك ما سيبدأ؟