كشف تقرير حديث نشرته مجلة " ذا ماريتايم إكزكيوتيف" المتخصصة في الشأن البحري، أن استمرار إيران في تعطيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز لم يعد مجرد تصعيد عسكري عابر، بل تحول إلى أداة استراتيجية ممنهجة لتحقيق مكاسب اقتصادية وتغذية قدراتها العسكرية، في ظل تداعيات متصاعدة تطال أسواق الطاقة والاقتصادات الخليجية.
وأوضح التقرير أن طهران تستفيد بشكل مباشر من اضطراب أحد أهم الممرات النفطية في العالم، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين إلى خلق بيئة تجارية تصب في صالح أنشطتها البحرية رغم العقوبات المفروضة عليها، في وقت تواصل فيه السفن المرتبطة بها العمل بوتيرة متصاعدة مستفيدة من تراجع المنافسة وزيادة الطلب على النقل البحري خلال الأزمات.
وبحسب بيانات موانئ إيرانية رئيسية، فقد سُجل نشاط ملحوظ في حركة السفن منذ اندلاع التصعيد، إذ تجاوز متوسط عدد سفن الشحن اليومية في ميناء بندر عباس 20 سفينة خلال مارس، وبلغت 22 سفينة في الرابع من أبريل، فيما شهد ميناء تشاه بهار حركة بلغت 10 سفن في الخامس من أبريل، مع متوسط يتراوح بين سفينتين إلى ثلاث يومياً خلال الأسابيع الأخيرة.
ويشير التقرير إلى أن هذا النشاط الاقتصادي المتزايد يتناقض مع الرواية الإيرانية بشأن تأثير العقوبات، مؤكداً في الوقت ذاته انتعاش حركة ناقلات النفط نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز المسال منذ بداية الحرب، حيث تتمكن الناقلات، بما فيها التي ترفع العلم الإيراني، من عبور المضيق دون عوائق تُذكر.
وفي تطور لافت، رصد التقرير استئناف شحنات النفط الإيراني إلى الهند لأول مرة منذ مايو 2019، مستفيدة من إعفاء أمريكي مؤقت لمدة 30 يوماً، مرجحاً أن أولى هذه الشحنات نُقلت عبر الناقلة "بينغ شون" التي حملت نحو 600 ألف برميل من الخام من جزيرة خارك في الرابع من مارس، فيما تتجه حالياً نحو الصين.
وفي جانب أكثر حساسية، سلط التقرير الضوء على استخدام هذا النشاط التجاري كغطاء لتمرير مواد تدخل في الصناعات العسكرية، وعلى رأسها "بيركلورات الصوديوم" المستورد من الصين، والذي يُعاد تصنيعه داخل إيران إلى "بيركلورات الأمونيوم"، وهو عنصر أساسي في وقود الصواريخ الباليستية العاملة بالوقود الصلب.
وبيّنت أنماط الشحن المتكررة لسفن مرتبطة بخطوط الشحن الإيرانية الخاضعة للعقوبات أن هذه المواد تُنقل ضمن شحنات تجارية اعتيادية، ما يصعّب عملية تعقبها، ويوفر مساراً لوجستياً مستمراً لدعم برنامج الصواريخ الإيراني.
ويُستخدم هذا النوع من الوقود في تشغيل عدد من الصواريخ الإيرانية متوسطة وقصيرة المدى، في وقت تشير فيه تقارير إلى انتقال مواد مماثلة إلى مليشيا الحوثي في اليمن، حيث تُستخدم في تنفيذ هجمات صاروخية، ما يعكس امتداد شبكة الإمداد خارج الحدود الإيرانية.
ويرى التقرير أن هذا الترابط بين النشاط التجاري والتصعيد العسكري يعزز فرضية توظيف إيران لإغلاق مضيق هرمز كأداة مزدوجة لزيادة عائداتها الاقتصادية من جهة، وتعزيز قدراتها العسكرية من جهة أخرى، بما يخلق دافعاً لاستمرار الأزمة.
في المقابل، تتكبد دول الخليج تداعيات مباشرة نتيجة هذا التصعيد، نظراً لاعتمادها الكبير على المضيق في تصدير النفط، إذ يؤدي تعطيل الملاحة إلى إبطاء تدفقات الطاقة ورفع تكاليف النقل والتأمين، ما يضغط على الإيرادات ويهدد استقرار الأسواق العالمية.
وخلصت مراكز رصد وأبحاث عسكرية إلى أن ما يجري في مضيق هرمز لا يمكن اعتباره مجرد تصعيد مؤقت، بل يعكس استراتيجية إيرانية طويلة الأمد تستثمر في إطالة أمد الأزمة لتحقيق مكاسب اقتصادية وعسكرية متزامنة، بينما تتحمل دول المنطقة، خصوصاً الخليجية، العبء الأكبر من تداعيات هذا النهج على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.