أصبحت البنية التحتية للكهرباء في مدينة تعز متهالكة ومهددة بالانهيار في أي لحظة، وسط سرقات مستمرة للأسلاك والمحولات، وترك أعمال الصيانة والإصلاح على عاتق مستثمرين في قطاع الكهرباء، بينما يغيب الدور الفعّال للجهات الرسمية.
و شهدت المدينة يوم الخميس سقوط عمود كهرباء على سور مدرسة الوحدة من نوع "كامبة"، وقبلها سقطت "كامبة" أخرى في حالة تهالك شديد على قارعة الطريق بجوار مدرسة عقبة بن نافع في منطقة الجحملية العليا، دون تسجيل إصابات بشرية، في حادثة كادت تتحول إلى كارثة.
ولا يكاد يمر حي في تعز دون تكرار هذا المشهد، إذ تحوّلت أسلاك الكهرباء التجارية المكشوفة إلى رعب يومي يهدد حياة السكان، الذين يدفعون ثمنه من أرواحهم وممتلكاتهم.
يقول المواطن رائد عبدالحكيم الشرعبي (37 عامًا): "صرنا نخاف على أطفالنا من الخروج أوقات الأمطار والاقتراب من أعمدة الكهرباء"، مضيفًا: "قبل أشهر توفي طفل في الحارة بسبب سلك ضغط عالٍ تجاري مكشوف، لم يكن مغطى أو عليه أي شريط تنبيه".
وفي حادث مأساوي آخر، توفي الشاب فواز سعيد الشرعبي (44 عامًا) في إحدى أسواق حي الباب الكبير منتصف يونيو الماضي، بعدما لامس سلكًا كهربائيًا مكشوفًا أثناء محاولته المرور في زقاق ضيق مليء بالتمديدات العشوائية، وسقط صريعًا دون أن يُسعف، ولم تُفتح أي تحقيقات أو تُحاسب أي جهة.
ويقول شقيقه فؤاد: "قدمنا شكوى لكنها قوبلت بالتجاهل، فلا توجد جهات تراقب أو تحاسب. الناس تموت كل يوم، ومالكو المولدات يريدون أموالهم فقط، والدولة مشغولة بأشياء أخرى".
وفي حادثة مماثلة وقعت في حي المسبح، فقد الشاب العشريني مؤيد العبيدي حياته في 18 مايو الماضي إثر صعقة كهربائية من سلك مكشوف أثناء جلبه أغراضًا من مخزن خلفي للبقالة التي يعمل فيها خلال هطول الأمطار. كان السلك ممتدًا بين الجدران وغير معزول، فكانت الكارثة.
ولا توجد إحصائيات رسمية دقيقة من الجهات المختصة بشأن عدد ضحايا الصعق الكهربائي في تعز، إلا أن مصادر طبية أكدت تسجيل حالات متكررة أسبوعيًا، خصوصًا خلال موسم الأمطار، مع وفاة الكثيرين أو إصابتهم بعاهات دائمة.
ويقول طبيب في مستشفى الثورة العام، طلب عدم الكشف عن هويته: "في موسم الأمطار نستقبل أسبوعيًا إصابات بسبب الصعق الكهربائي، ومعظم الحالات ناتجة عن تمديدات تجارية مخالفة أو أسلاك مرتخية، والأخطر مرورها في طرق الناس دون حواجز أو أي وسائل تنبيه".
ويضيف: "المشكلة تتفاقم مع غياب التنسيق بين السلطات المحلية ومالكي المولدات، إضافة إلى ضعف الرقابة الرسمية وانعدام أي برامج توعية مجتمعية. المعضلة الأساسية هي غياب جهة تتحمل المسؤولية بشكل واضح".
ويشير نشطاء على مواقع التواصل إلى أن كل شيء في مدينة تعز يتم بشكل عشوائي، حيث يشتري الناس الكهرباء من أقرب مولد دون أي سؤال عن مدى سلامة تمديدات الأسلاك. ويرون أن هذه الفوضى ليست قدرًا، بل نتيجة مباشرة لغياب دور فرع المؤسسة العامة للكهرباء، وتراخيص بدون رقابة، وتشغيل مولدات دون تصاريح، حتى أصبحت الكهرباء سببًا مباشرًا للموت.
مع تزايد الحوادث المأساوية المرتبطة بالكهرباء التجارية في تعز، تصاعدت أصوات المواطنين المطالبة بحماية الأرواح والممتلكات، في ظل غياب الدولة وانعدام الرقابة أو التنظيم.
يقول المواطن أسامة عبدالله: "ناشدنا الجهات الرسمية مرارًا وتكرارًا دون جدوى، ولم تتجاوب مع مناشداتنا. أصبحت الكهرباء التجارية اليوم خطرًا علينا أكثر من كونها منفعة، وأصبحت تقتلنا تحت صمت الدولة".
ويضيف: "كم شاهدنا وسمعنا وقرأنا عن حالات وفاة بسبب ماس كهربائي. فقد العشرات من سكان تعز أرواحهم بسبب الكهرباء التجارية".
ويتابع: "لم نطلب شيئًا كثيرًا، نريد أن نعيش بأمان، لا أن نشتري الكهرباء ونشتري الموت معها. نطالب الجهات المعنية بتحرك عاجل، واتخاذ الإجراءات القانونية ومعايير السلامة المهنية بحق مالكي محطات الكهرباء التجارية".
وفي الوقت الذي يغيب فيه الحل الرسمي، يواصل مواطنو تعز دفع فاتورة قاتلة، ليست كهرباء فقط، بل أرواح تُفقد وحزنًا يتعمق في ذاكرة المدينة أسبوعًا بعد آخر.