كشف الطبيب وهاج المقطري المقيم في العاصمة المحتلة صنعاء، مساء الأحد، عن حالة مأساوية لفتاة تبلغ من العمر ثلاثة عشر عامًا، وصلت إلى عيادته بعد معاناتها من نوبات قيء شبه يومية استمرت أربعة أشهر، دفعتها إلى النفور التام من الطعام ورائحته.
وقال المقطري إن الطفلة حديثة الزواج منذ حوالي خمسة أشهر، وجميع فحوصاتها الطبية طبيعية، بما في ذلك المنظار، أشعة الدماغ، وفحص الحمل الذي جاء سلبيًا، كما جربت أصنافًا متعددة من أدوية المعدة ومضادات التقيؤ دون أي جدوى. ولم يتوقف الأمر عند الطب، بل بدأت رحلة العلاج الشعبي وصولًا إلى طرق الخرافة وفك الأسحار.
وأضاف المقطري في منشور رصده نافذة اليمن على حسابه الرسمي بموقع فيس بوك: "سألنا الأم متى تزداد الأعراض ومتى تهدأ، فجاء ردها الصادم: 'بنتي تتحسن أول ما تأتي عندنا، وأول ما ترجع عند زوجها تنتكس، مادرينا، هي بتدلع أم هو سحر؟ لقد أرهقتنا كثيرًا ولم نعد نعرف ماذا نفعل معها'".
وأشار الطبيب إلى أن هذه الجملة تحديدًا كشفت مفتاح التشخيص الذي لم تلتقطه الفحوصات، حيث أن بداية الأعراض كانت متزامنة مع الزواج، وغياب أي تاريخ مرضي سابق، وعدم ارتباط القيء بوجبات محددة، وعدم استفاقة الطفلة من النوم، وغياب علامات الإنذار العضوية، كلها مؤشرات ضد وجود مرض هضمي عضوي. أما العلامة الأهم فكانت على لسان الأم: اختفاء الأعراض في بيت الأهل وعودتها عند الرجوع إلى بيت الزوج، ما يدل على أن المشكلة نفسية بحتة.
وشرح المقطري أن الطفلة تعاني نوبات قيء وظيفي ضمن اضطراب في محور الدماغ–الجهاز الهضمي في سياق اضطراب التكيف الناتج عن صعوبة التكيف مع حدث حياتي جديد. "ما يحدث ليس مرضًا عضويًا بل ترجمة جسدية لصراع نفسي لم تستطع الطفلة التعبير عنه. فشلت أدوية المعدة لأنها لم تكن المشكلة في المعدة، بل الجسد يتحدث بدلاً عنها بعد انتقال قاسٍ وسريع إلى زواج مبكر وتحمل مسؤوليات كبيرة".
وأكد المقطري أن التدخل الصحيح تمثل في تصحيح المفهوم لدى الأسرة وطمأنة المريضة، مع التوجيه لضرورة الدعم الأسري للطفلة الزوجة، وإحالتها إلى الطبيب النفسي لاستكمال التقييم وبدء العلاج المناسب.
وعن تردد الأم، قال المقطري: "أوضحت لها أن ليس كل من مر بالتجربة تكيف بنفس الطريقة، وأحيانًا لا تملك الطفلة لغة تعبر بها عن مخاوفها فيتحدث الجسد بدلاً عنها. ليس دلعًا ولا سحرًا، بل استجابة نفسية بيولوجية حقيقية. السؤال ليس لماذا لا تتحمل مثل غيرها، بل هل كانت مستعدة أصلاً لتحمل ذلك في هذا السن؟".
وتكشف هذه الحالة عن مأساة زواج الأطفال في صنعاء وباقي المناطق اليمنية وكيف يمكن لضغط البيئة وتفريغ الصراع النفسي أن يظهر في جسد الفتاة بشكل مرضي، مما يستدعي وعيًا طبيًا ونفسيًا عاجلًا.