تتجه الحكومة الجديدة برئاسة الدكتور شائع الزنداني إلى فتح ملف الإصلاحات المالية والإدارية كأولوية ملحّة في مسعى لاستعادة ثقة الداخل والخارج، بعد أن كشف تقرير دولي حديث تراجع البلاد إلى المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس عمق الاختلالات التي تضرب منظومة الحوكمة وتفشي الرشوة والجبايات غير القانونية في ظل الانقسام والحرب.
وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة لإظهار نتائج ملموسة على صعيد مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بتنفيذ إصلاحات مالية ومؤسسية، في وقت تعقّد فيه البيئة السياسية والأمنية المنقسمة أي تحرك جذري، وتفرض توازنات قوى تجعل مسار الإصلاح محفوفاً بالتحديات. وكان رئيس الوزراء قد أعلن في مستهل عمله منح أولوية لتعزيز الأداء المؤسسي وتسريع الإجراءات وتحسين الخدمات، في محاولة لامتصاص حالة السخط الشعبي الناتجة عن تدهور المعيشة وانهيار القدرة الشرائية.
ويرى مستشار مكتب الرئاسة للشؤون الاقتصادية فارس النجار أن المعركة لم تعد قابلة للاختزال في حملات إعلامية أو خطوات جزئية، بل تتطلب إعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وربط السياسات المالية بالنقدية ضمن إطار مؤسسي شفاف يخضع للمساءلة.
ويؤكد وفقاً لما نقلت عنه صحيفة الشرق الأوسط، أن الحكومة شرعت في مسارات متوازية مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لإصلاح الإدارة المالية وضبط الإنفاق وتطوير أدوات التحصيل، في سياق مشاريع تستهدف ترسيخ الحوكمة المالية والنقدية.
غير أن ضعف استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية يظل عائقاً رئيسياً أمام تطبيق القوانين بشكل فعّال، في ظل سيادة منقوصة ومؤسسات منقسمة، وهو ما يجعل الفساد يتجاوز كونه انحرافاً إدارياً إلى مكوّن بنيوي داخل اقتصاد الحرب. ويشير أكاديميون إلى أن الفساد قبل الحرب كان جزءاً من آلية عمل النظام السياسي والاقتصادي، لكنه تحوّل لاحقاً إلى نشاط محمي بالقوة والسلاح ومصدر رئيسي للتمويل والريع، متمركزاً في قطاعات سيادية مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء وحتى المساعدات الإنسانية.
وخلال سنوات الصراع برزت مظاهر حادة لهذا التحول، من بينها إنشاء تشكيلات عسكرية وأمنية وهمية وازدواجية المرتبات، وفساد عقود الإمداد والطاقة، وتهريب الوقود والسلاح، وإيرادات خارج الموازنة تُدار عبر شبكات نفوذ مسلحة، إلى جانب تحويل المساعدات الإنسانية إلى سوق سوداء، ما عمّق اختلالات الاقتصاد وأضعف العملة ورفع تكلفة الاستيراد وزاد المخاطر السيادية.
ويؤكد باحثون اقتصاديون أن موقع اليمن المتأخر في المؤشر الدولي يمثل انعكاساً رقمياً لانهيار مؤسسات الدولة وتسييس الموارد العامة وتآكل منظومة الرقابة، مشيرين إلى أن ازدواجية المؤسسات المالية والنقدية والتوسع في الإنفاق غير المنتج وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات شوّهت بيئة المنافسة وأقصت القطاع الخاص الحقيقي.
وفي مقابل هذا الواقع، تراهن الحكومة على حزمة إجراءات مرتقبة تشمل تفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة والتوسع في الرقمنة، بدعم من البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن الذي ربط تمويله بمعايير حوكمة وآليات إنفاق أكثر شفافية. إلا أن خبراء يرون أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرهوناً بتوحيد المؤسسات المالية وتعزيز استقلال البنك المركزي وتفعيل أجهزة الرقابة وفرض شفافية كاملة على الموارد السيادية وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.
وبين اختبار الإرادة السياسية وتعقيدات اقتصاد الحرب، تبدو معركة مكافحة الفساد في اليمن أكثر من مجرد برنامج حكومي، إذ تتطلب تفكيك البنية التي جعلت الفساد جزءاً من منظومة القوة والموارد، وهي مهمة يصفها مراقبون بأنها التحدي الأثقل أمام الحكومة الجديدة في طريق استعادة الدولة.