مكاتب التربية ليست "صندوق بريد".. وحين يفقد المسؤول شجاعة القانون، فعليه التنحي فوراً.
تصريح رسمي بارد ومستفز خرج علينا أخيرًا، يزعم صاحبه بكل بساطة أن العام الدراسي المنصرم "لم يشهد شكوى ولي أمر واحد من رفع الرسوم في المدارس الأهلية، سوى خمسة طلاب فقط!". هذا الكلام ليس مجرد مغالطة عابرة، بل هو إعلان صريح عن عمى إداري متعمد يضرب أروقة الرقابة التربوية في مقتل، ويمنح تجار التعليم ضوءًا أخضر لمزيد من الاستنزاف الممنهج لجيوب أسر أنهكتها سنوات الحرب والأزمات.
لقد تناسى هذا المسؤول -أو بالأحرى تعمد أن يتناسى- أن محافظ المحافظة أصدر القرار رقم (137) لسنة 2025م لتنظيم وتحديد الرسوم الدراسية، وأن رئيس محكمة غرب تعز أبطل دعاوى ملاك المدارس وأصدر حكمًا قضائيًا ملزمًا بتطبيق التخفيض. فكيف يجرؤ من أُتمن على حماية حقوق الناس أن يتجاهل قرارات السلطة القضائية والمحلية بهذا الاستخفاف، مدعيًا أن "كل شيء على ما يرام"، بينما يشتعل الشارع غضبًا واستياءً؟!
التربية.. سلطة إنفاذ لا "مكتب تلقي شكاوى"
إن المهمة الأساسية لمكتب التربية والتعليم والمديريات التابعة له لا تتلخص أبدًا في كونها صندوق بريد لتلقي التظلمات ثم تجاهلها، بل هي سلطة رقابية ومحط إنفاذ للقرارات. وبحسب اللوائح المنظمة وقوانين الخدمة والتعليم الخاص، تقع على عاتق مكاتب التربية مسؤولية قانونية مباشرة للرقابة الميدانية، وضبط المخالفات، وإلزام المدارس الأهلية بالقوائم السعرية المعتمدة.
إن التبرير لعدم تشكيل لجان رقابية ميدانية جادة لمتابعة المدارس الخاصة ليس مجرد قصور إداري، بل هو تواطؤ مفضوح وانحياز كامل لشبكات المصالح الضيقة على حساب آلاف الطلاب وأولياء أمورهم.
لكن الحقيقة المرة التي بات يعرفها القاصي والداني في تعز هي أن العديد من قيادات التربية ليسوا مجرد مراقبين؛ بل هم "شركاء" في الاستثمار. كيف ننتظر من مسؤول أن يراقب مدرسة أهلية هو يمتلك فيها حصة، أو يتقاضى منها "راتباً شهرياً" مغلفاً بتقديم خدمات استشارية، لتمرير تجاوزات المدارس وعدم مطابقتها لأبسط المعايير؟!
لقد كشفنا في بداية العام الدراسي الفائت كيف تتعمد هذه المدارس الالتفاف على الإصلاحات الحكومية بوقاحة، عبر اختراع مسميات جديدة للرسوم تحت غطاء "الخدمات والأنشطة"، لتبتلع قيمة التخفيض المفترض وتجعل إجمالي التكلفة يفوق ما كان قبل القرار، ورغم نزول لجان، إلا أنها تحولت إلى "غطاء رسمي" للتلاعب، بدلاً من أن تكون درعاً لحماية حقوق المواطن.
كارثة معيشية واستغلال ممنهج.
ما يحدث في تعز اليوم هو حلقة جديدة من مسلسل "تجريف التعليم العام" وإضعافه متعمدًا، لتتحول المدارس الأهلية التي انتشرت بشكل عشوائي وهائل (تجاوزت 205 مدارس رئيسية وعشرات الفروع) إلى تجارة مربحة وأبواب رزق استثمارية تُدار من خلف المكاتب الرسمية.
حين يصل رسوم التسجيل في صفوف التعليم الأساسي الأولى ببعض المدارس إلى أكثر من 340 ألف ريال يمني، وحين يُطالب ولي الأمر بدفع مبالغ طائلة لا تتماشى مع مستوى الدخل المعدوم، فإننا أمام كارثة معيشية حقيقية..
والأدهى من ذلك ما تكشفه كواليس هذه المدارس من استغلال فادح للمعلمين والمعلمات؛ إذ تفرض إداراتها رواتب زهيدة لا تتجاوز 25 ألفاً إلى 40 ألف ريال، وتجبر الكوادر التربوية على الصمت والابتزاز لإيهام المجتمع بجودة وهمية.
القرار موجود.. فمن يعطل تنفيذه؟
إن قرار المحافظ بتصنيف المدارس الأهلية إلى مستويات وتحديد رسومها الشاملة، وإعفاء أبناء الشهداء والجرحى، وتضمينه غرامات مالية صارمة على المدارس المخالفة، كان بارقة أمل حقيقية لتخفيف جزء من المعاناة. لكن بقاء هذا القرار العام الفائت حبيس الأدراج وتحول اللجان الميدانية إلى مجرد "أغطية شكلية" للتلاعب، يعكس حالة من الإفلاس الرقابي المريع.
لقد طفح الكيل، ولم يعد مقبولاً أن تظل التربية والسلطة المحلية بالمحافظة في خانة "المتفرج" أو "الشريك المستفيد". إننا أمام حالة من تواطؤ فاضح يضع التعليم كله على المحك، ويجعل من مستقبل أبنائنا مجرد ورقة في مشروع تجاري ضخم يدار من خلف المكاتب الرسمية.
لذا، فإننا نجدد الدعوة لثورة ضمير ووقفات شعبية واسعة تضع المسؤولين أمام مسؤولياتهم القانونية والتاريخية. إننا نطالب بالكشف عن علاقات قيادات التربية بالمدارس الأهلية: إما إنفاذ قرارات المحافظ والقضاء بكل حزم، أو التنحي فورًا لمن لا يمتلك شجاعة حماية حقوق هذا الشعب المكلوم.
فالتعليم ليس للبيع، ومن لا يستطيع حماية حقوق الناس من جشع "تجار المدارس"، فليترك منصبه، أما الصمت والمحاباة، فلم تعد تجدي نفعاً في وجه شعب أدرك حقيقة اللعبة.
"والله غالبٌ على أمره"
مكتب رئاسة الجمهورية Office of the Presidency of the Republic of Yemen
مجلس القيادة الرئاسي اليمني Yemeni Presidential Leadership Council
رئاسة مجلس الوزراء اليمني
وزارة التربية والتعليم - اليمن