في اليمن، ليست كل الأشياء التي تلتزم الصمت ضعيفة؛ فهناك من يصمت لأنه يدرك أن الضجيج لا يصنع الهيبة، وأن الزمن وحده كفيل بكشف الحقائق. والجبل واحد من تلك الأشياء؛ يبدو ساكنًا من بعيد، لكنه يحمل في أعماقه من الصلابة ما يجعل العواصف تمر، بينما يبقى هو شامخًا في مكانه.
والقبيلة تشبه الجبل.
قد يظن البعض أن سنوات الحرب أنهكتها، وأن الضغوط فرّقت صفوفها، وأن الخوف غلّب إرادتها. غير أن القبائل لا تُقاس بما يبدو على السطح، بل بما تختزنه في أعماقها من قيم، وعزة، وإحساس بالمسؤولية.
لقد مرّت أعوام حاولت خلالها مليشيا الحوثي أن تجعل القبيلة مجرد اسم، وأن تستبدل مكانتها التاريخية بعلاقة تقوم على الإخضاع والولاء القسري. غير أن ما يُفرض بالقوة لا يدوم طويلًا؛ لأن الكرامة ليست امتيازًا يُمنح، بل حقًّا يولد مع الإنسان.
واليوم، ومع تزايد مؤشرات استعداد القبائل، يبدو أن الجبل بدأ يستعيد صوته، لا لأنه يبحث عن حرب جديدة، وإنما لأنه يدرك أن الصمت الطويل قد يُفهم على أنه قبول، وأن الكرامة إذا لم تجد من يحميها تحولت إلى ذكرى تُروى للأجيال.
إن القبيلة، حين تتحرك دفاعًا عن شرفها، لا تبحث عن مجد شخصي، بل عن استعادة مكانة حاولت سنوات الصراع انتزاعها منها. فهي تدرك أن الأوطان والمجتمعات لا تستقيم إذا أُهينت ركائزها الاجتماعية. ولهذا، فإن ما يجري اليوم يتجاوز حدود المواجهة العسكرية؛ إنه صراع بين مشروع يريد مجتمعًا تابعًا، ومجتمعٍ يصر على أن يبقى سيد قراره، متمسكًا بعاداته، وقيمه، وإرثه.
ولم يكن التاريخ يومًا رحيمًا بالمشاريع التي ظنت أن القوة وحدها تكفي لإخضاع الناس. فكل مشروع يتجاهل كرامة المجتمع يبدأ قويًا، ثم يكتشف، بعد فوات الأوان، أن أكثر ما كان يخشاه لم يكن السلاح، بل صحوة الوعي.
ربما تأخر الجبل في الحركة، لكنه حين يقرر الوقوف لا يسأل أحدًا عن الطريق. يمضي بثبات، ويترك للتاريخ أن يكتب ما حدث.
وفي اليمن، إذا نهضت القبيلة دفاعًا عن الكرامة، فإنها لا تستعيد اعتبارها وحدها، بل تفتح بابًا واسعًا أمام استعادة الدولة؛ لأن الأوطان التي تتصالح مع قيمها تكون أقرب إلى النهوض من تلك التي تعيش تحت وطأة الإكراه.
وهكذا يبقى الجبل، كما كان دائمًا، صامتًا في البداية، لكن صمته ليس نهاية الحكاية، بل مقدمة لزلزال يغيّر ملامح المشهد بأكمله.