آخر تحديث :الإثنين-13 يوليو 2026-12:12ص

الأمر مش مجرد استهتار بقاض واحد فقط

الأحد - 12 يوليو 2026 - الساعة 10:37 م

فكري قاسم
بقلم: فكري قاسم
- ارشيف الكاتب


من يطلق الرصاص على بيت قاضٍ، إنما يطلق النار بوقاحة على فكرة العدالة نفسها، ويختبر إلى أي مدى أصبحت هيبة القضاء قابلة للخرق .

وإن الاعتداء على منزل قاضٍ ليس خلافًا شخصيًا بين أفراد، وانما هو في حقيقة الامر اعتداء سافر على مؤسسة يفترض أنها الملاذ الأخير للمواطن حين تضيق به السبل، ورسالة خطيرة مفادها أن من يحمل السلاح يستطيع أن يطرق باب العدالة بالطريقة التي يريدها هو ، ومش بالطريقة التي يرسمها القانون .


وكان منزل القاضي عمران جازم القباطي رئيس محكمة الأموال العامة بتعز، قد تعرض خلال 72 ساعة فائتة لاعتدائين مسلحين نفذته نفس العناصر التي روعت أسرته في محاولتين همجيتين متتاليتين يبدو أن الهدف الواضح منهما ليس استهداف القاضي عمران نفسه ؛بل المساس بهيبة القضاء، واستقلاليته .

وفي الدول التي تحترم نفسها ؛ عموما لا يحتاج الأمر لتكرار الاعتداء مرتين على بيت قاض حتى تتحرك الدولة لحراسته وتأمينه ومعاقبة الجناة ؛إدراكًا منها بأن المساس بالقاضي هو مساس بثقة الناس في العدالة. على عكس بلادنا طبعا : اتركوا القاضي يحرس نفسه، فإذا نجا قدر الله ولطف وقلنا إن الأمور تحت السيطرة، وإن لم ينجُ ؛ شكّلنا لجنة ؛ وما شاء الله كان .

وكأن المطلوب من القاضي أن بحرس نفسه اولا ؛ وان يحرر من بعد ذلك محضرًا ضد الرصاص، وان يستدعي الشهود من بين الثقوب التي تركتها الطلقات في الجدران ليفوز بحقه من الحماية !

والله عيب ياجماعة ..

ما حدث للقاضي عمران يستوجب تحقيقًا جادًا وسريعًا، والقبض على المعتدين وتقديمهم للعدالة، ليس انتصارًا للقاضي وحده، وإنما انتصارًا لهيبة القضاء، ورسالة واضحة بأن الدولة لا تسمح لأحد بأن يختبر صبر القانون على فوهة بندقية.

.واما التضامن معه اليوم ليس تضامنًا مع شخصه فحسب، وإنما هو تضامن مع فكرة الدولة نفسها. فحين يشعر القاضي أنه غير آمن في منزله، فكيف سيشعر المواطن بالأمان وهو يدخل إلى المحكمة باحثًا عن حقه؟ وإذا سقطت هيبة القضاء، فلن يبقى للقانون سوى لافتة على باب المحكمة وسنختلف كثيرا بعد ذلك على لونها وخطها، بينما تكون العدالة قد غادرت المبنى منذ وقت طويل.

على ان هيبة القضاء لا تُقاس بعدد المحاكم، بل بقدرة الدولة على أن تجعل مجرد التفكير في تهديد قاضٍ مغامرة خاسرة. أما أن يصبح منزل القاضي ساحة لإطلاق النار، ثم نتصرف وكأن الأمر خبر عابر، فذلك ليس استهتارًا بقاضٍ واحد، بل إعلان صريح بأن القانون نفسه أصبح مطلوبًا للحضور... بصفة مجني عليه.

من صفحة الكاتب على موقع فيس بوك