الأرض تترك بصمتها على طباع الناس وتغرس فيهم عادات يصعب اقتلاعها. يكفي أن تغادر رمال مأرب والجوف حتى يتغير إيقاع البلاد. الأفق يمتد بلا حواف والمسافات تصير جزءاً من التفكير نفسه. لهذا خرج من الصحراء مجتمع ينظر إلى السلطة والحرب والحياة بعين تختلف عن عين الجبل.
البدوي يرى الأرض طريقاً أكثر مما يراها ملكية ثابتة. يستطيع حمل معظم ما يملك على ظهر بعير ثم يمضي حيث تقوده الحاجة. وإذا نشب نزاع مع قبيلة أخرى دار غالباً حول ماء أو مرعى أو ثأر، ثم يعود كل طرف إلى أفقه الواسع. الصحراء لا تحتمل سلطة ثقيلة ولا تستقر طويلاً تحت حكم يفرض حضوره بالقوة.
عاشت قبائل عبيدة ودهم والصيعر والمناهيل والعوامر على الوتيرة ذاتها. اقتربت من الدولة حين التقت المصالح، وابتعدت عنها حين تبدلت الظروف. واستمد شيخ القبيلة مكانته من رجال يعرفونه لا من فرمان يصله من عاصمة بعيدة.
في المرتفعات سارت الحياة على مهل. نشأت علاقة مختلفة بين القبيلة والسلطة، ووجدت الإمامة في كثير من قبائل الجبال خزّاناً بشرياً يرفد جيوشها كلما طال القتال أو اتسعت رقعة النفوذ. لكن العلاقة لم تسر على وتيرة واحدة، إذ عرف الطرفان التحالف كما عرفا التمرد.
بقيت حاشد وبكيل قريبتين من قلب الأحداث زمناً طويلاً. المسألة لم تكن اتفاقاً مكتوباً. كانت علاقة امتدت قروناً، تبادلت فيها الإمامة والقبيلة المنافع. كان الإمام يمنح الشرعية والمكاسب والنفوذ، بينما تقدم القبيلة الرجال والسلاح والحماية. وكلما اتسعت الدولة أو اشتدت أزماتها، أعيد رسم حدود هذه العلاقة من جديد.
اتسع مفهوم الفيد حتى تجاوز حد الغنيمة. ففي كثير من الصراعات القبلية كانت الحروب تترك خلفها أراضي وقطعاناً ومزارع تتغير ملكيتها مع تغير ميزان القوة. وكان المقاتل يدرك أن النصر قد يبدل موقعه الاجتماعي والاقتصادي، لذلك امتزجت المصلحة بالولاء وأصبحت دوافع القتال أكثر تعقيداً من مجرد الانتماء القبلي أو الديني.
الزرانيق في تهامة دفعت ثمناً قاسياً خلال الحملات العسكرية التي شهدتها بدايات القرن العشرين. انقضت المعارك غير أن القرى احتفظت بأسمائها الناقصة. ظل الغائبون يعيشون في ذاكرة الأمهات بينما ازدحمت كتب التاريخ بأسماء القادة.
صنعاء سنة 1948 كشفت كثيراً من طبيعة تلك المرحلة. ففي الوقت الذي انشغل فيه رجال بالصراع على الحكم، كان آخرون يفتشون البيوت والأسواق بحثاً عن الغنائم. المدينة بدت مثل سفينة انقطع حبل مرساتها، وكل موجة تدفعها في اتجاه مختلف.
في الصحراء تمحو الريح آثار الأقدام قبل أن يعتادها النظر. البدوي يعرف أن سلطته تنتهي عند آخر أثر لقدمه فوق الرمل. أما فوق الجبل فيبقى الحجر في مكانه حتى بعد أن ينسى الناس من وضعه. وبين الأثر الذي يختفي والأثر الذي يقاوم الزمن، تشكلت فكرتان مختلفتان عن القوة وعن الدولة.
تبدو القبيلة اليمنية اسماً واحداً يخفي عالمين مختلفين. خيمة ترافق صاحبها حيث ارتحل، وحصن ينتظر صاحبه إذا عاد. وبين الخيمة والحصن تحرك تاريخ طويل، تشابكت فيه التحالفات مع الصراعات وتعاقبت مشاريع السلطة، بينما بقيت الجغرافيا تملي كثيراً من قواعد اللعبة جيلاً بعد جيل.
محمد عبيد
#صحيفة_النداء