آخر تحديث :الأربعاء-10 يونيو 2026-08:29م

قصة القُلَّيس: كنيسة أبرهة التي اختفت في صنعاء

الأربعاء - 10 يونيو 2026 - الساعة 12:40 ص

محمد العلائي
بقلم: محمد العلائي
- ارشيف الكاتب


أدق وصف لكنيسة "القلّيس" التي بناها أبرهة الحبشي في صنعاء قبل الإسلام، كتبه محمد بن عبد الله الأزرقي (توفي 250 هـ)، في "أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار".

يقال أن المبنى هُدم في زمن أبو جعفر المنصور، على يد والي اليمن حينها واسمه العباس بن الربيع بن عبيد الله الحارثي، الذي عُيّن سنة 136 هجرية.

وقيل أن حجارة القليس استعملت لتوسعة الجامع الكبير.

لكن هذا لا يمنع أن المبنى كان قد تعرض في زمن أقدم للتخريب والنهب والانتقاص.

فالمسعودي يذكر في "مروج الذهب" أن عبد الله بن الزبير، أثناء إعادة بناء الكعبة في فترة استقلاله بالحجاز ومنازعته لعبد الملك بن مروان، استقدم من صنعاء الفسيفساء التي كان أبرهة قد زيّن بها كنيسته، ومعها ثلاث أساطين (أعمدة) من رخام فيها وشي منقوش، قد حُشي النقش بالسندروس وأنواع الألوان من الأصباغ، فمن رآه ظنه ذهباً.

والمرجّح أن أبرهة استعان بحرفيين ومهندسين بيزنطيين، واستخدم في البناء أحجار من قصور ومعابد سبأ في مارب، أو من أماكن أثرية قريبة من صنعاء.

بدأ الأزرقي بخبر انقلاب أبرهة على القائد الحبشي أرياط المعيّن من النجاشي على اليمن، وينهي الخبر بالقول: "فأقام أبرهة باليمن؛ وبنى عند ذلك (الْقُلَّيْسِ) بصنعاء إلى جنب غمدان كنيسة، وأحكمها وسمَّاها الْقُلَّيْسَ وكتب إلى النجاشي ملك الحبشة: إني قد بنيت لك كنيسة لم يُبْنَ مثلها لملك كان قبلك ولست بِمُنْتَهٍ حتى أصرف حاج العرب إليها".

ثم يأتي إلى وصف الكنيسة:

"فبنى القليس بحجارة قصر بلقيس الذي بمأرب - وبلقيس صاحبة الصرح الذي ذكره الله في القرآن في قصة سليمان، وكان سليمان حين تزوجها ينزل عليها فيه إذا جاءها - فوضع الرجال نسقاً يناول بعضهم بعضاً الحجارة والآلة حتى نقل ما كان في قصر بلقيس مما احتاج إليه من حجر أو رخام أو آلة للبناء، وجد في بنائه، وإنه كان مربعاً مستوي التربيع، وجعل طوله في السماء ستين ذراعاً، وكبسه من داخله عشرة أذرع في السماء، وكان يصعد عليه بدرج الرخام، وحوله سور بينه وبين القليس مائتا ذراع مطيف به من كل جانب، وجعل بين ذلك كله بحجارة تسميها أهل اليمن الجروب منقوشة مطابقة لا يدخل بين أطباقها الإبرة، مطبقة به، وجعل طول ما بنى به من الجروب عشرين ذراعاً في السماء، ثم فصل ما بين حجارة الجروب بحجارة مثلثة تشبه الشرف مداخلة بعضها ببعض: حجراً أخضر، وحجراً أحمر، وحجراً أبيض، وحجراً أصفر، وحجراً أسود.

وفيما بين كل سافين خشب ساسم مدور الرأس، غلظ الخشبة حضن الرجل، ناتئة على البناء، فكان مفصلاً بهذا البناء في هذه الصفة.

ثم فصل بإفريز من رخام منقوش طوله في السماء ذراعان، وكان الرخام ناتئاً على البناء ذراعاً، ثم فصل فوق الرخام بحجارة سود لها بريق من حجارة نقم جبل صنعاء المشرف عليها، ثم وضعت فوقها حجارة صفر لها بريق، ثم وضعت فوقها حجارة بيض لها بريق، فكان هذا ظاهر حائط القليس. وكان عرض حائط القليس ستة أذرع، وذكروا أنهم لا يحفظون ذرع طول القليس ولا عرضه.

وكان له باب من نحاس عشرة أذرع طولاً في أربعة أذرع عرضاً، وكان المدخل منه إلى بيت في جوفه طوله ثمانون ذراعاً في أربعين ذراعاً، معلق العمل بالساج المنقوش ومسامير الذهب والفضة. ثم يدخل من البيت إلى إيوان طوله أربعون ذراعاً عن يمينه وعن يساره، وعقوده مضروبة بالفسيفساء مشجرة بين أضعافها كواكب الذهب ظاهرة. ثم يدخل من الإيوان إلى قبة ثلاثون ذراعاً في ثلاثين ذراعاً، جدرها بالفسيفساء، وفيها صلب منقوشة بالفسيفساء والذهب والفضة.

وفيها رخامة مما يلي مطلع الشمس من البلق مربعة عشرة أذرع في عشرة أذرع، تغشى عين من نظر إليها من بطن القبة، تؤدي ضوء الشمس والقمر إلى داخل القبة. وكان تحت الرخامة منبر من خشب اللبخ - وهو عندهم الآبنوس - مفصل بالعاج الأبيض، ودرج المنبر من خشب الساج ملبسة ذهباً وفضة.

وكان في القبة سلاسل فضة، وكان في القبة أو في البيت خشبة ساج منقوشة طولها ستون ذراعاً يقال لها: كعيب، وخشبة من ساج نحوها في الطول يقال لها: امرأة كعيب، كانوا يتبركون بهما في الجاهلية. وكان يقال لكعيب: الأحوزي، والأحوزي بلسانهم الحر.

وكان أبرهة عند بناء القليس قد أخذ العمال بالعمل أخذاً شديداً، وكان آلى أن لا تطلع الشمس على عامل لم يضع يده في عمله، فيؤتى به إلا قطع يده".


هذا وقد صدرت في العقود الماضية دراسات كثيرة لباحثين غربيين عن كنيسة القليس، أهمها مقالة كريستيان روبان (لم تترجم بعد)، ينقض فيها الفكرة الشائعة التي تحدد موقع الكنسية في مكان يسميه أهل صنعاء القديمة "غرقة القليس".

يعتقد روبان أن هذا التحديد الخاطىء يعود إلى القرن التاسع عشر.

وبعد تحليل الإشارات الواردة في النصوص، ومن خلال ملاحظاته الميدانية، يتوصل إلى أن أول مسجد في صنعاء ربما أقيم داخل الساحة التابعة للقليس أو بجوارها مباشرة.

ثم أخذ المسجد يتوسع تدريجياً حتى احتل مكان الكنيسة نفسها.

ويعترف الباحث بأن هذه الفرضية تواجه اعتراضاً واضحاً: فلا توجد أي رواية إسلامية تقول صراحة إن الجامع الكبير بُني فوق القليس.

لكن روبان يرى أن غياب هذه الرواية لا يعني استحالتها، بل قد يكون السبب أن المسألة كانت حساسة دينياً وسياسياً.

ويستشهد بالهمداني نفسه، الذي حاول في بعض المواضع إعادة تفسير تاريخ القليس، حتى إنه وصفها أحياناً وكأنها قصر لا كنيسة.


(الرسم أدناه مستوحى من وصف الأزرقي)

من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك