آخر تحديث :الأربعاء-03 يونيو 2026-11:40م

أنيس يحيى حين يكون القائد رفيقاً

الأربعاء - 03 يونيو 2026 - الساعة 10:47 م

رشا كافي
بقلم: رشا كافي
- ارشيف الكاتب


أول مرة التقيت الرفيق أنيس كنت في الثامنة عشرة من عمري، في الأمانة العامة بصنعاء، خلال إحدى الفعاليات التي لم يبقى منها في ذاكرتي سوى ذلك اللقاء.


رآني أتحرك بنشاط كبير في القاعة، فأشار إليّ ثم صافحني، وسألني عن اسمي، وحين أخبرته باسمي، ابتسم وقال: “من اليوم اسمك نجمة الحزب”. ضحكت بخجل، فقال مازحاً: “قولي لأبوك وأمك إن عمو أنيس غير اسمي”. وعاود عليّ السؤال مجدداً عن اسمي ليرى ماذا سيكون ردي. لم أكن أعرف حينها أن تلك المزحة العابرة ستبقى في ذاكرتي أكثر من تفاصيل الفعالية نفسها.


بعدها صرت أبحث عن مقعد إلى جواره في كل مناسبة، لم أكن أجلس لأتحدث بقدر ما كنت أجلس لأراقب، وهي عادة أصبحت تلازمني عند مجالسة الكبار، كنت أراقب كيف يخاطب الناس، وكيف يختلف حديثه باختلاف من أمامه، مع الشباب كان ينزل إلى أعمارهم دون أن يتصنع الشباب، ومع الكبار كان يرتقي إلى خبراتهم دون أن يتخلى عن بساطته. كان يمتلك تلك الموهبة النادرة التي تجعل كل من يحدثه يشعر بأنه مهم، وأن رأيه يستحق أن يُسمع، حتى وإن كان لا يقول شيئاً مهماً.


لم يكن يمنحنا نحن الطليعة دروساً في القيادة بقالب أكاديمي أو تلقيني، بل كان يمارسها أمامنا دون أن يتحدث عنها. كان يجعلنا نشعر أن لنا مكاناً في هذا العالم، وأن لصوتنا قيمة، وأن المستقبل يتسع لنا مهما كنا صغاراً في السن أو قليلي التجربة.


لهذا أحببناه، ليس لأنه كان أحد أهم مؤسسي الحزب، ولا لأنه من أبرز مناضليه الذين عبروا مختلف مراحل النضال، بل لأننا كنا نشعر بالقرب منه رغم المسافة التي تفرضها عادة الألقاب والتواريخ والمناصب. كان قادراً على أن يجلس بيننا كرفيق، بينما كان تاريخه يجلس خلفه كجبل.


ولهذا كنا، كشباب، نتسابق للسلام عليه، ونتنافس على الجلوس بقربه، دون أن ندرك أننا، في الحقيقة، كنا نتسابق لالتقاط شيء من ذلك الدفء الإنساني النادر الذي كان يحمله.


وداعاً يا رفيق أنيس، وداعاً يليق بتاريخك، ويليق بالقلب الكبير الذي عرفناه، القلب الذي لم يكن يهتم بأن يصنع أتباعاً، بقدر ما كان يهتم بأن يجعلنا نؤمن بأننا قادرون على أن نكون أشياء كبيرة وكثيرة.