ترددت كثيرا في الكتابة عن أربعة زعماء سياسيين خلال العقود الثلاثة الماضية، لأسباب كثيرة، ليس أقلها أن مقالة واحدة أو حتى سلسلة مقالات قد لا تكون كافية للإحاطة بتجاربهم، فالتاريخ اليمني والجنوبي يحمل تفاصيل عميقة ومتداخلة.
الزعماء هم: زعيم يمني هو علي عبدالله صالح، وثلاثة زعماء جنوبيون هم عبدربه منصور هادي، وعلي سالم البيض، وعيدروس الزبيدي. ولكل واحد من هؤلاء الأربعة تجربته الخاصة، لكنها تجارب تستحق البحث والتأمل. فثلاثة من هؤلاء الزعماء رحلوا، وبقي الزعيم الرابع الذي ينتظره دور سياسي قادم، ربما يكون أكثر أهمية وتأثيرًا من أدواره السابقة، لاعتبارات يمكن التوقف عندها خلال هذه السلسلة.
علي عبدالله صالح، وصل الى الرئاسة اليمنية في ظروف هي في غاية التعقيد والصعوبة، دور خارجي اشبه بـ"ضبع"، تختبأ في كهف، تصطاد السمينة من كل تيوس اليمن والجنوب، هذه الضبع لا يمكن التعايش معها الا ان تتحول الى "غنمة هزيلة"، تسير في اعقاب الغنم لا يخشى عليها الراعي من أي مخاطر، طالما وهي في المؤخرة، وإلا فالضبع تتربص بالتيوس ولا يمكن ان تفلت منها.
تسلم "صالح" السلطة وهو في قمة شبابه، شاب ولد يتيم الاب في صنعاء، واخذ من سنحان وصنعاء "كبرياء الهضبة الزيدية"، ومن تعز المكر والخديعة السياسية، صفتان تميز بها صالح، جعلته يستمر في السلطة لأكثر من ثلاثة عقود، قال هو عن نفسه "انه اجاد الرقص على رؤوس الثعابين"، وما اكثرها، ولكن ارتكب أخطاء فادحة، الأولى حين وقع اتفاقا هشا مع الرئيس علي سالم البيض، لم يكن "أميناً"، على الاتفاق، واعتقد ان الجنوب "ثعبان جريح بفعل حرب 86م"، لا يحتاج الى ان تراقصه، ويمكن ان تضربه ضربة خفيفة وتقضي عليه إلى الابد، فاختار ان يستعين في ضرب الجنوب بالتحالف مع الاخوان المسلمين والافغان العرب والمرتزقة من العراق وموقف إسرائيلي".
فسارع الى التهام الجنوب، معتقدا ان الظروف الإقليمية والدولية حينها ستجعل مسألة "قتل الجنوب"، ستكون مهمة سهلة، فلم يكتف صالح بمهمة جماعة الاخوان في تصفية شركاء مشروع الوحدة، فالثعبان الجريح كان يتعرض لضربات موجعة بـ"بتصفية قياداته وكوادره"، بعد اتفاق عمان وتوقيع وثيقة العهد والاتفاق، كان صالح يستمع الى علي سالم البيض وهو يحدثه عن "ان الوحدة اغلى من دماء رفاقه"، فظن ان الفرصة مواتية لضرب الجنوب وقتله نهائياً، خطط لاغتيال "شريكه علي سالم البيض"، ففشلت كل المحاولات، ونجأ البيض بالفرار صوب عدن ومنها الى حضرموت، وطالب بإعادة اصلاح الوحدة ومشروعها، في حين كان "صالح"، يستمع الى قيادة الاخوان المسلمين ورفاق أسامة بن لادن"، وهم يرون ان الفرصة مواتية للقضاء على "الاشتراكية في الجنوب"، لأن هناك ظروف إقليمية ودولية في حين كان "ملك الجارة"، ينظر الى المسألة انها فرصة لإعادة ترتيب اليمن وفق الأساس التي يريدها "يمن خانع وخاضع"، القبيلة أقوى من الجيش، وشيخ القبيلة أكثر نفوذا من رئيس الدولة.
اعلن صالح الحرب على الجنوب في السابع والعشرين من ابريل 1994م، وشنت الحرب وظن ان الحرب سوف تحسم في الأسبوع الأول على أقل تقدير، قال له "علي محسن الأحمر"، نحتاج فقط الى الأموال، لم يكن صالح يمتلك المال، فكان الخيار "الأموال المزورة"، ولكن هذه لم تفلح، وجدوا امامهم جنوب يقاتل، يقاوم، يرفض الحرب، جرب صالح كل الطرق، كان ملك الجارة، يكرر الاتصالات على "صالح"، احسم المعركة سريعاً، حتى لا يحدث أي تدخلات، كانت "صبر" في لحج ودوفس في أبين"، تشهد اكبر مقاومة دفاع عن العاصمة عدن "المركز القانوني لدولة الجنوب"، فتش صالح عن أوراق كثيراً ارسل عبدالكريم الارياني الى تل ابيب، وفي جعبة تقارير تتحدث عن دور دولة الجنوب في دعم المقاومة الفلسطينية، قال له ملك الجارة "الدين استخدم الدين ورقة الدين، هؤلاء هم ماركسيون ولينيون، فاجتمع مع الحكومة، وطلب منهم اتخاذ موقف، والا سيكون العقاب وخيماً، ربما هدد جماعة الاخوان بأن الانتصار الجنوبي، يعني القضاء على مشروع الإسلام السياسي والجهادي، وعندها لن يجد الأفغان اليمنيون أي موطئ قدم لهم، فسارع عبدالوهاب الديملي وعبدالمجيد الزنداني، الى اصدار فتوى دينية مليئة بالتطرف والإرهاب، تحض على قتل المستضعفين حتى لا تقوى شوكة "الكفر"، تحرك عبدالمجيد الزنداني الخاشي على مصير رفاقه من الأفغان العرب، ومن عقاب أسامة بن لادن، في أوساط القبائل يحض على القتال ضد "الكفر"، ودفاعا عن الإسلام، خطب خطبته الشهيرة "من جهز غازيا فقد غزا"، خلعت النساء الحلي والفضة وطبخن الكعك، للمجاهدين، وقعت الحرب وانتصر جيش الأفغان العرب، وهنا تحول صالح من راقص على رؤوس الثعابين، الى خائف يتحاشى ان تكون نهايته على يد واحد من تلك الثعابين التي تعطشت للدماء بعد "حرب الردة والانفصال"، وبدلا من ان يظل زعيما، كانت الثعابين تدخل الى القصر وصالح يتحاشى الاقتراب منها او منعها، فالقاعدة تحولت الى أداة تضرب المصالح الامريكية والإقليمية وتوسعت رقعة الإرهاب، وصالح يطالب الأمريكيين ان يدعموا حربه ضد الإرهاب، لكنه لم يكن يخض أي معركة حقيقية ضدهم، يكتفي باعتقال ابرزهم لأشهر ثم يتفاجئ بانهم قد خرجوا من اشد السجون تحصينا.
في كل مرة كان صالح يظن ان الراقص على رؤوس الثعابين قد تحول "إلى الهارب من الثعابين"، كانت اليمن التي يرى صالح انها قد تجاوزت معضلة الشركاء الجنوبيين وانه قد أصبح زعيما أوحد لليمن، وان الجميع سيطيع أوامره، الا من زعيم قبيلة حاشد عبدالله بن حسين الأحمر، الذي كان يرى نفسه فوق علي عبدالله صالح، كان يتحاشى مواجهته ليس لأنه زعيم اخوان اليمن او زعيم قبيلة حاشد، ولكن لأنه مسنودا من فاعل إقليمي، ربما كان يرى مصير الرئيسين إبراهيم الحمدي وأحمد الغشمي امام عينيه، ويتخوف من ان يصبح مصيره كمصيرهما، ولأن الخطئة تكمن في الانقلاب على شركاء وخان الاتفاقيات، فدفع ثمن ان يتحول من زعيم "سياسي لليمن والجنوب"، تحول الى رئيس يتحاشى المساس بالقبيلة الزيدية المدعومة من خارج الحدود، وتحول صالح الذي كان يهرب من الخوف الداخلي الى تهديد المهزومين عسكرياً، والذين تحولوا الى معارضة خجولة في الخارج، لكن كانت المعارضة الحقيقية لصالح تكمن في "ثعابين القصر الجمهوري".
لم يترك الاخوان المسلمون والافغان العرب "صالح"، يحتفل بانتصاره المزعوم على علي سالم البيض، حتى بدأ يقدم التنازلات تلو التنازلات، حتى اصبح عبدالله بن حسين الأحمر "من زعيم الاخوان وقبيلة حاشد"، الى شيخ الجمهورية اليمنية، ومنحه صالح صلاحيات أوسع من صلاحياته كرئيس "للجمهورية الجديدة"، التي ولدت من رحم فتاوى الاخوان ذاتهم، وبدلا من ان يصبح الأحمر زعيما قبيلة في الخارج، اصبح زعيما على كل القبائل اليمنية والجنوبية، وتوسع نفوذه ونفوذ الاخوان، في حين كان صالح يهرب من الثعابين بالحديث عن "حرب الردة والانفصال"، وتحول الـ22 من مايو من الاحتفال بذكرى مشروع سياسي لم يكتب له النجاح الى نشوة انتصار كان صالح يدرك انها مؤقتة، فأصبح الجيش اليمني جيشان، جيش يقوده نجل صالح وجيش أخر يتبع جماعة الاخوان ويقوده "أحمر أخر"، علي محسن صالح، تحولت الأجهزة الأمنية الى جزء يتبع صالح، وأخر يتبع أولاد شقيقه محمد عبدالله صالح، وثالث يتبع جماعة الاخوان المسلمين.
وبدلا من ان تكون هناك دولة يمنية "دولة نظام وقانون"، تحولت الى دولة تمارس القانون على الأقليات والمناطقة الواقعة في الخريطة خارج حدود ما قبل عتمة في ذمار، اما مأرب، فكانت تتحالف قبائلها مع زعماء الأفغان العرب المخفيين، ناهيك عن انها منطقة صحراوية بعيدا عن أي نفوذ، فكدس صالح الجيش في مأرب والجوف، لكن كانت القبيلة هناك أقوى من أي سلطة وجيش، فكانت قيادات الجيش اشبه بصقور يسهل اصطيادها بالاغتيالات.
اما تهامة فكان وضعها سيئا للغاية يفوق وضع الجنوب وتعز وإب والبيضاء، تحولت العاصمة التهامية الى اشبه بساحة نفوذ مفتوحة للجميع، وأرض "للترضية وكسب الولاءات لكل الأطراف"، فكل من شعر صالح انه قد يشكل عليه تهديد صرف له أرضية في الحديدة، وكذلك يفعل عبدالله بن حسين الأحمر وعلي محسن الأحمر ومختلف الزعماء السياسيين.
في صنعاء مركز الدولة اليمنية، فكان هناك من هو فوق القانون وفوق السلطة وفوق كل شيء، انهم أولاد عبدالله بن حسين الأحمر الذي يمنع اعتراضهم، كانوا فوق أجهزة انفاذ القانون، يختطفون الفتيات من الشوارع، كانت النقاط تصادر الأسلحة التي بحوزة جندي خرج من غير لباسه العسكري او بطاقته العسكرية، لكن كان شيخ القبيلة يمر في المعابر والحواجز الأمنية في حين تكون مهمة رجال الامن افساح الطريق امامه.
ذات يوم كان هناك شابان من أبناء عدن في صنعاء، يتجولان بسيارتهما الخاصة، فتجاوزا موكب لشيخ قبيلة فغضب حراسته وتم قتلهم بدم بارد ومضى الشيخ يحتفل بزفاف نجله دون اكتراث بدماء الشابين خالد الخطيب وصديقه حسن أمان، وهو يدرك انه لن يتم ملاحقته لأنه قيادي إخواني وزعيم قبلي.
كان عبدالله بن حسين الأحمر الذي لا يمتلك أي صفة رسمية حكومية، يصدر أوامر بتعيين قيادات عسكرية في وحدات أمنية وعسكرية يفترض انها تخضع للرئيس صالح، كانت أوامر مطاعة، ربما صالح يخشى ازاحته ففضل ان يظل الحاكم "شكليا"، لكن البلد كانت تدار بالفوضى والعنف والإرهاب، وعدم الملاحقة، وتحولت اليمن من دولة تحكم بالقانون الى دولة تحكم بالاعراف القبلية، فالقتل العمد يمكن التنازل عنه بعقر ثور ورمي بعض قطع الأسلحة والجنابي في الأرض وتنتهي القضية أيا كانت بشاعتها، فالسجن لا يدخله الا الضعفاء الذي ليس لديهم قبيلة مسنودة من الخارج، فالقبائل اليمنية الأخرى هي من تنفذ القانون لكن قبيلة عبدالله بن حسين الأحمر فهي فوق كل شيء، ولا تخشى أي شيء الا من تأخر أموال اللجنة... يتبع في الجزء الثاني....
#صالح_أبوعوذل
من صفحة الكاتب على موقع فيسبوك