آخر تحديث :السبت-21 مارس 2026-01:26ص

استهداف إيران لدول الخليج.. ماذا وراء الأكمة؟!

السبت - 21 مارس 2026 - الساعة 01:00 ص

د. صادق القاضي
بقلم: د. صادق القاضي
- ارشيف الكاتب


إذا كان من الصعب تفَهّم دوافع قيام إيران بقصف قواعد عسكرية أمريكية في دول الخليج. في خضم الحرب الدائرة.. فإن من غير الممكن تبرير قيامها. بانتهاك سيادة هذه الدول، والعدوان عليها، بقصف أهداف حيوية مدنية خاصة خالصة بها. مثل:


• مطارات مدنية دولية كمطار زايد الدولي (أبوظبي)، ومطار دبي الدولي، ومطار الكويت الدولي.


• موانئ تجارية كما في الإمارات وعُمان.


• مراكز مالية مثل مركز دبي المالي العالمي.


• فنادق سياحية (مثل فندق فيرمونت النخلة في دبي).


• محطات الكهرباء كما في الكويت..


• محطات التحلية خاصة في دول تعتمد عليها بنسبة %90 للشرب مثل الكويت والإمارات.


• منشآت الطاقة: النفط والغاز وحقول ومصافي تابعة لشركات عالمية مثل "أرامكو" السعودية، "قطر للطاقة"، وشركات النفط في الكويت والبحرين..


ما الذي يبرر لقيام إيران بهذه الاستهدافات العدوانية، لهذه الأهداف، وغيرها من المنشآت المدنية التي لا علاقة لها بالحرب الراهنة عليها، والتي بذلت دول الخليج كل جهودها وإمكاناتها لتجنيبها إياها؟!


لا شيء. في التقاليد السياسية الدولية، وأخلاق الجوار.. يبرر لهذه الاعتداءات والانتهاكات الغبية المضحكة رغم كل شيء، كما لو قام أحدهم بالانتقام من أعدائه الذين دمروا بيته. بمحاولة تدمير بيوت جيرانه.!


فهم هذه العقلية الحمقاء. مهم لفهم دوافع حماقاتها. والواقع أن لنظام طهران. في رؤيته وسلوكه العدواني من دول الخليج. دوافع خاصة كثيرة بعضها تقليدي استراتيجي طويل الأمد، وبعضها تكتيكي يتعلق بالحرب الراهنة.


على المستوى الاستراتيجي. دول الخليج. على رأسها السعودية. من وجهة النظر الإيرانية. ليست دولا محايدة، بل هي الخصم والعدو الأساسي في المنطقة، والعائق الأكبر أمام مشروعها التوسعي لإقامة امبراطورية فارسية في المنطقة. وهذا ما يؤكده بعفوية صراع المحاور الإقليمية. منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران. 1979.حيث تبنى نظام الملالي منذ البدء تجاه.دول الخليج. ما نعرفه وما تكشفه الخطابات والسياسات والممارسات والسلوكيات الإيرانية طوال هذه المرحلة. من سياسة الخصومة العميقة الشاملة هذه..


ورغم شعاراتهم الشهيرة: "الموت لأمريكا. الموت لإسرائيل". فإن خصومة ملالي طهران وعداوتهم لدول الخليج أكبر وأكثر واخطر بكثير من خصومتهم وعداوتهم لإمريكا وإسرائيل، وبالشكل الذي توضحه المقارنة. من حيث الكم والكيف. بين الهجمات التي شنتها إيران ضد إسرائيل. وبين تلك التي وجهتها لدول الخليج. منذ بداية هذه الحرب.


من حيث الكم. تؤكد الإحصاءات والتقديرات أن هجمات إيران ضد دول الخليج. خاصة الإمارات والبحرين. منذ بداية هذه الحرب. تفوق هجماتها ضد إسرائيل بنسبة تتجاوز 8 أضعاف من حيث عدد المقذوفات الإجمالي.!


من حيث الكيف: غالبية الهجمات الإيرانية ضد إسرائيل "استعراضية"، ومركزة في موجات زمنية متباعدة، بينما اتسمت الهجمات ضد دول الخليج بكونها "استنزافية"، ومكثفة على مدار اليوم.


على المستوى التكتيكي.. وحسب ما تكشفه كل الحيثيات.. لنظام طهران، في الحرب الراهنة. رؤية تكتيكية إقليمية ودولية فحواها:


• أن دول الخليج. كما سبقت الإشارة. ليست دولا محايدة. بل عدو أصيل. أكثر قريبا وخطورة من غيره. وقد توفرت الفرصة لضربه.


• استهداف المؤسسات الخدمية الحيوية كالماء والكهرباء.. في دول الخليج. يثير الجبهة الداخلية في هذه الدول. مما يضغط على القيادات السياسية لتقديم أكبر قدر من التنازلات الممكنة.


• ضرب البنية التحتية للسياحة والاستثمار، واستهداف مراكز التسوق والمدن الذكية: مثل "دبي" أو "نيوم" (كمشاريع مستقبلية) يهدف لضرب الاستثمار و"سمعة الاستقرار". في هذه الدول، وجعلها بيئة طاردة للاستثمار الحالي والمستقبلي.


• هذا علاوة عن ذريعة "الوجود الصهيوني، خاصة في الدول التي عقدت اتفاقيات التطبيع (اتفاقيات أبراهام)، وتخويف الدول التي تنوي أن تعقدها. وهذا من وجهة نظر إيران يجعل الاستهداف الشامل لهذه الدول مبررا.


لكن الدافع الأهم يظل هو الابتزاز السياسي. الماثل بمحاولة إيران جعل دول الخليج ورقة ضغط دولية، عبر تكتيك مرحلي يكشف أن طهران:


• لا تنظر إلى الأهداف المدنية في دول الخليج كأهداف "مدنية" أو "خاصة". بدول ذات سيادة، بل كأدوات ضغط ضمن صراع إقليمي وأطراف دولية.


• بعبارة أخرى: تدرك إيران التأثير العالمي الكبير لدول الخليج. من حيث الطاقة والاقتصاد.. وبالتالي تستهدف هذه الدول لابتزازها ودفعها للتحرك للضغط على المجتمع الدولي وأمريكا.


• تدرك طهران أن القوة الناعمة للدول الخليجية (السياحة، الموانئ، المراكز المالية) هي المحرك لسياساتها الخارجية التي تراها طهران معادية.


• ومن ثمّ تحاول تحويل أمن الطاقة الخليجي إلى "رهينة"لابتزاز المجتمع الدولي لرفع الحرب والعقوبات عنها. وإرسال رسالة للقوى الدولية بأن تكلفة محاصرة إيران ستكون انهيار الاقتصاد العالمي.


• تهديد الكابلات البحرية للإنترنت. حيث تمر معظم حركة البيانات بين الشرق والغرب عبر الخليج وبحر العرب. التهديد بقطع هذه الكابلات يمثل هجوماً على "الأعصاب الرقمية" للعالم.


• يمكن جدلا افتراض أن نظام طهران كان يتوقع أن تقف دول الخليج، والدول العربية والإسلامية عموما، معه. في هذه الحرب، وانه شعر بالخذلان. كما أشار السيد "علي لاريجاني" أمين المجلس الأعلى للأمن القومي. في إيران قبل يوم من اغتياله.!


لكن سياسات إيران تجاه دول الجوار. وغيرها في المنطقة. تميزت منذ البدء بالانتهاك والاختراق والتمزبق وتقويض الأمن الداخلي.. وهذه السياسات العدائية لا تنتج أصدقاء، بل خصوم. وكان من الواجب أن تشعر أيران بالامتنان الكبير لدول الخليج، لأن هذه الدول لم تنخرط في هذه الحرب ضدها.!


خلاصة القول: إيران لا تفرق بين "العسكري" و"المدني" عندما يتعلق الأمر بـ "توازن الرعب". هي ترى أن ضرب "فندق" في دبي أو "مصفاة" في عمان. يعادل سياسياً ضرب "قاعدة عسكرية"، لأن الأثر الاقتصادي والسياسي قد يكون أشد إيلاماً لصانع القرار الإقليمي والدولي.


لكن. في الأخير. هذه السياسة التكتيكية التي تتبناها طهران. هي سياسة انتحارية غبية، أشبه ما تكون بمغامرة شمشون الجبار: "عليّ وعلى أعدائي". إما أن تقوم دول الخليج بالضغط على أمريكا لوقف الحرب، أو ليذهب الجميع إلى الجحيم.!