الحياة بالنسبة لي ليست مجرد مرور الأيام، بل هي مهنة أعيشها بكل تفاصيلها، أتعلمها يوماً بعد يوم، وأتقنها بالتجربة والألم والفرح معاً.
بدأ مشواري الأكاديمي بالهندسة، تلك البداية التي شكلت أساس تفكيري المنطقي والمنظم. ثم جاءت رغبتي العميقة وعشقي لدراسة القانون، فدرستُه وأنا أعمل كمهندسة في الوقت نفسه. كان ذلك تحدياً كبيراً، لكن الحب للمعرفة جعلني أستمر. وخلال تلك الحقبة الطويلة، تخللتها دراسات جانبية في تعليم اللغات، فتعلمت الألمانية والفرنسية بعمق، وحصلت على الشهادات النهائية في تعليمهما. كنت أرى في كل لغة باباً جديداً لفهم العالم والناس.
كأم، كان مشوار النجاح المهني والشخصي تحدياً مضاعفاً، مليئاً بالمسؤوليات والضغوط. أشعر الآن أنني أخذت كثيراً من الأمور على عاتقي، وكان من الممكن – بل ومن الأفضل أحياناً – تخفيف الحمولة أو إلغاء بعضها، والتمتع بالخفة والمرونة أكثر. لكن مثل هذه المهارات نكتسبها أحياناً متأخر جداً، ولا ضرر في ذلك ولا ضرار. فنحن أتينا إلى هذه الدنيا لنتعلم، سواء بالطريقة السهلة أو الصعبة.
بعد سنين عديدة من العمل في المجال الهندسي مع استصحاب القانون، أجد نفسي اليوم أعمل وأعشق ما أعمل: مجال الموارد البشرية والتوظيف عموماً. كمدير تطوير أعمال، أصبحت أقرب إلى احتياجات البشر وتحليلها، أقرب إلى النفس البشرية ودوافعها وما يحركها في جميع الأحوال. هذا المجال علمني أن أرى الإنسان بعين مختلفة، أفهم تعقيداته، وأساعد في بناء مساراته.
اقتنعت تماماً بأن الإنسان كل سبع سنوات يحصل له تغيير كبير في الشخصية، وفي عمل الدماغ والأفكار، لدرجة أن تأتي عليه مرحلة يكره فيها ما يحب، ويحب ما يكره. وهنا يأتي الاختيار الحقيقي: هل يقبل الإنسان نفسه بالنسخة الجديدة، أم يقمعها ويعيش حسب توقعات الناس من حوله، محافظاً على النسخة القديمة التي ربما لم تعد تناسبه؟ أنا اخترت القبول، والتطور، والمضي قدماً.
كأم فخورة بابني وبنفسي وبمشوار لم يكن سهلاً على الإطلاق، خاصة بعد وفاة الزوج والسند، وترك ابن وحيد. في البداية كان الأمر شاقاً جداً، لكن عندما أنظر إلى الوراء وأستحضر 11 عاماً من ذكرى الوفاة الأليمة، وتحديداً صدمة طفل صغير بفقدان والده المفاجئ، أشعر أنني لست مجرد ناجية، بل بطلة. عبرنا أنا وابني سوياً محطات صعبة، وتجاوزناها بدعم الأسرة والأهل والأصدقاء. وبكل فخر أقولها: لدي أصدقاء أقل ما يمكنني وصفهم به هو "دنياك العريضة... زهور تضحك معاك".
الحياة مهنتي، وأنا ما زلت أتعلمها. أتعلم كيف أكون ألطف مع نفسي، أتعلم كيف أترك بعض الأثقال، أتعلم كيف أحتفل بالتغييرات بدلاً من مقاومتها. وفي كل يوم، أشكر الله على هذا المشوار الذي جعلني من أنا اليوم: امرأة، أم، محترفة، وإنسانة تؤمن أن التعلم لا يتوقف، والقوة الحقيقية تكمن في القبول والاستمرار.