لم يعد سلوك التنمّر قاصراً على الأفراد، بل بات أيضاً سلوكاً سياسياً تتقمصه بعض الدول. متمثلاً في سياسات خارجية عدوانية وخطابات متعالية، وممارسات تُدار من خلف ستار "القيادة" و"الوصاية". فالدولة المتنمّرة هي تلك التي لا تكتفي ببناء نفوذها، بل تسعى إلى إضعاف جوارها لتشعر بثقلها، ولا ترى في نجاح جيرانها فرصة للتكامل، بل تهديداً يستوجب الإجهاض.
وهي دولة تتعامل مع الجوار لا بوصفه فضاء للتعاون، بل كساحة لإثبات التفوق وفرض الإرادة، مستبدلة منطق الشراكة بمنطق الهيمنة.
أولى سمات الدولة المتنمّرة هي الاستعلاء السياسي. فهي تميل إلى تقديم نفسها باعتبارها مركز الثقل الطبيعي في الإقليم، وتتعامل مع الدول الأخرى باعتبارها توابع أو هوامش. هذا الاستعلاء لا ينبع بالضرورة من قوة حقيقية، بل غالباً من شعور مبالغ فيه بالأهمية، أو من خوف دفين من فقدان النفوذ لصالح نماذج أكثر نجاحاً أو استقراراً.
السمة الثانية تتمثل في التدخل في الشؤون الداخلية للجوار في محاولة لإثارة القلاقل والاضطرابات. فالدولة المتنمّرة نادراً ما تحترم حدود السيادة، وتبرر تدخلها بشعارات فضفاضة: حماية الأمن، تصحيح المسار، أو منع التهديدات. لكنها في العمق تسعى إلى تشكيل بيئات سياسية هشة حولها، تضمن بقاءها في موقع المتحكم لا الشريك.
أما السمة الثالثة فهي تسليح الإعلام والخطاب العام. تستخدم هذه الدولة منصاتها الرسمية وشبه الرسمية لتشويه سمعة من تتصورهم خصوم، أو التقليل من إنجازاتهم، أو خلق صورة ذهنية سلبية عنهم في الداخل والخارج. الإعلام هنا لا يؤدي وظيفة إخبارية ثقافية، بل يتحول إلى أداة ضغط، وإلى امتداد ناعم لسلوك صدامي أكثر خشونة.
وتبرز كذلك سمة الحساسية المفرطة تجاه نجاح الآخرين. فالدولة المتنمّرة ترى في أي تجربة ناجحة في جوارها تهديداً ضمنياً لمكانتها، فتسعى إما إلى عرقلتها، أو إلى نسبتها لنفسها، أو إلى التشكيك في دوافعها وشرعيتها. النجاح في هذا السياق لا يُقابل بالإعجاب، بل بالريبة والعداء.
ومن السمات الجوهرية أيضاً خلط النفوذ بممارسة القسر. فبدلاً من بناء التأثير عبر جاذبية النموذج أو القدوة أو المصالح المتبادلة، تميل الدولة المتنمّرة إلى استخدام أدوات الضغط الاقتصادي أو السياسي أو الأمني لإخضاع الآخرين. النفوذ هنا يُفرض قسراً وغالباً ما تكون كلفته على الإقليم أعلى من مكاسبه الآنية.
على المدى البعيد، تكشف هذه السمات عن مفارقة أساسية: فالدولة المتنمّرة تبدو قوية في خطابها، لكنها قلقة في سلوكها، صاخبة في حضورها، لكنها هشّة بداخلها. وهي وإن نجحت مرحلياً في إرباك محيطها، فإنها تساهم تدريجياً في عزل نفسها، وإضعاف شرعيتها، وتحويل قوتها إلى مصدر توتر دائم.
وفي عالم تتقدم فيه الدول القادرة على إدارة الاختلاف وبناء التوازنات، لم يعد التنمّر تعبيراً عن القوة، بل انتفاخ وعلامة على سوء تقدير الذات وللآخرين. فالدول الراسخة والواثقة من نفسها لا تحتاج إلى التنمر على جيرانها لتثبيت مكانتها، بل إلى شراكتهم ليكتمل استقرارها.
من صفحة الكاتب على موقع إكس