أُشيع في العقود الماضية وعي تاريخي مزيّف يقسّم اليمن إلى: مناطق ظالمة ومناطق مظلومة.
وعلى هذا الأساس، أعيد تصنيف المجتمع اليمني إلى أناس مظلومين بحكم المولد (أخيار)، وآخرين ظالمين بحكم المولد (أشرار).
ليست أعمال الفرد هي ما يدينه أو يرفعه أو يخفضه،
فأصبح مكان ولادته هو الذي يحدّد مصيره وصورته، وهو الذي يرفعه أو يخفضه.
ولنا أن نتخيل ما يمكن أن ينشأ من النتائج عن هذا الوعي السخيف.
ومن ذلك أن من تم تصنيفهم "مظلومين بحكم المولد"، يعتقدون أن ما حصلوا عليه أو سيحصلون عليه مستقبلاً من مناصب وامتيازات، منذ العام 2011م وحتى اليوم، إنما يندرج في باب التعويض والإنصاف المستحق لمناطقهم بعد ألف عام من "الإقصاء والحرمان" الذي مارسته "الهضبة" أو "المركز المقدس".
وحتى من كان من هؤلاء مشاركاً في السلطة، قبل العام 2011م، يتم احتسابه أيضاً في خانة المظلومية،
وبالتالي يُعدّ -وفق هذا الوعي- جدير بالتعويض،
مع إعفاء مفتوح من أي مساءلة عن الخطأ والتقصير وعدم الكفاءة.
أغرب ما في الأمر هو الإصرار على مقولة "الألف عام".
تشعر وكأن الحديث يدور عن امبراطورية الألف عام الرومانية، لا عن اليمن الذي لم تعرف الدول ومراكز الحكم فيه انتظاماً واتصالاً ممتداً على كل جغرافيا اليمن يتجاوز الخمسين عاماً.
لقد سجّلوا في كشف الديون هكذا: على الهضبة ألف عام!
تسأل: حسناً، كم حكمت الدولة الرسولية؟
فيقال: 230 سنة.
والأيوبية قبل ذلك؟ 55 سنة.
والطاهرية؟ 90 سنة.
والعثمانيين؟ 160 أو 200 سنة.
والإنجليز في الجنوب إلى جانب السلاطين؟ 130 سنة.
ودولة الحزب في عدن؟ 23 سنة.
أليست كل هذه الفترات داخلة ضمن “الألف عام” نفسها؟
لا طبعاً، هذه خارج الفاتورة!
طيب،
وماذا عن علي بن الفضل، والزياديين في تهامة (200 سنة)، والنجاحيين بعدهم، وغيرهم وغيرهم؟
فكل هذه الفترات لم تُخصم من "الألف سنة".
لن تجد جواباً،
لأنهم قرروا سلفاً أن هناك دين آجل مقداره ألف عام، ثم صمّوا آذانهم عن سماع أي رد، وانطلقوا في المطالبة بالسداد العاجل.
سيقال إن بعض تلك الدول والكيانات التي ظهرت خارج الهضبة لم تحكم كل اليمن بل أجزاء منه،
وهذا صحيح،
لكن بعضها امتد حكمه على كل اليمن، لبعض الوقت، كالرسوليين والايوبيين والطاهريين والعثمانيين.
ومع ذلك،
فإن مجرد وجود تلك الدول في التاريخ -سواء على كل اليمن أو على بعضه- يكفي لنسف خرافة الألف عام من جذورها.
المفارقة أن من حكموا من "اليمن الأعلى" في السنوات المتبقية -بعد الخصم- هم الأئمة الزيديين،
وهؤلاء كانوا غالباً طرف مستمر في صراعات وحروب طاحنة، مع القبائل وغير القبائل.
وطوال ألف ومئة عام، منذ مجيء الهادي إلى صعدة، لم يمتد حكم إمام زيدي على كل اليمن، شمالاً وجنوباً، إلا مرة واحدة فقط ولفترة قصيرة جداً.
أما من تجرّع ويلات حكمهم -من أغلال وسجون وجبايات وقطع رؤوس- لأطول وقت ممكن فهي الهضبة وسكانها.
إذا أردتم أن تحتسبوا على الهضبة الفترة الجمهورية (خمسين سنة)، منها ثمانٍ وعشرون سنة في الشمال فقط، فهذا معقول،
مع أنها لم تحكم كهضبة، بل كان حكماً وطنياً جمهورياً شارك فيه الجميع.
إلى هنا والكلام يساير نمط فاسد من التفكير،
وإلا فالأمور أصلاً، في أي شعب عاقل راشد، لا يجوز أن تُحتسب بهذه الطريقة.
مبدأ المحاججة مغشوش وطفولي للغاية؛
وإذا قبلناه، فالمناطق التي حكمتها الدولة الرسولية أو الأيوبية من تعز، مثلاً، يحق لها أن تطالب بتعويض عن 230 سنة من الحرمان،
والمناطق التي حُكمت من عدن، أو من زبيد، أو من صعدة، أو من شهارة، أو من ضوران، أو من جبلة،
تمتلك أيضاً الحق في المطالبة بالتعويض عن كل فترة زمنية حُكمت فيها من مركز سياسي يقع في منطقة أخرى.
ثم إن هذا الوعي قابل للاستنساخ من النطاق الكبير (اليمن) إلى النطاقات الأصغر؛
فيُعاد تصنيف الجغرافيات والمجتمعات المصنفة مظلومة أمام الهضبة، إلى ثنائيات ظالم ومظلوم جديدة،
وهذا ما بدأ يحدث فعلاً،
والمثال القريب ما يسمونه "المثلث" في الجنوب الذي بات يُعتبر منطقة ظالمة وبقية الجنوب مظلومين.
القضية الجنوبية هي ابنة هذا الوعي، لكنها ليست إبنته الوحيدة.
فإذا كان الغريم الشمال، فالدعوى 35 سنة من الظلم والحرمان والإقصاء، وهذا قول أصحاب المظلومية الجنوبية،
وإذا كان الغريم شمال الشمال "الهضبة"، فالدعوى ألف عام من الظلم والحرمان والإقصاء، وهذه القول يشترك فيها تيار عريض من الشمال والجنوب!
إنها وصفة مثالية للتمزيق والتقسيم،
عبوة فكرية ناسفة.
تعريف المشكلات بالجغرافيا، بدلاً من الأيدلوجيا أو المشروع السياسي، يمنح تنظيمات سيئة السمعة "صك التمثيل" لمجتمع كامل هو في الحقيقة ضحيتها الأول