آخر تحديث :الأحد-25 يناير 2026-01:20ص

‏برز الثعلبُ يوماً في ثياب الواعظينا.. سردية العرّاب

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 01:08 ص

ابتسام الكتيبي
بقلم: ابتسام الكتيبي
- ارشيف الكاتب


1) عندما يتحوّل الادعاء إلى فتنة، والتاريخ إلى أداة تحريض ..

قرأت مقالاً لأحد الكتاب بعنوان "الامارات التى في قلوبنا"  .. في حقيقة الأمر المقال يحمل خطاباً يسعى إلى استبدال السياسة بالتحريض، والتاريخ بالانتقائية، والنقد بالوصاية. ليست أخطر ما في المقال محلّ النقاش حدّته، بل منهجه. فهو لا يناقش سياسات بقدر ما يسعى إلى إعادة تشكيل الوعي عبر لغة أخلاقية زائفة، تُقسِّم ولا تُفسِّر، تُدين ولا تُحلِّل، وتُلبس الفتنة ثوب النصح.

هو خطاب يُظهر المودّة ليُمرِّر التحريض، ويُكثر من الثناء ليُخفي الطعن، ويستدعي القيم الدينية ليُعفي نفسه من عبء البرهان. لكنه، في جوهره، لا يحترم الدولة التي يدّعي محبّتها، لأن احترام الدول يبدأ بالاعتراف بوحدتها وشرعيتها، لا بتجزئتها أخلاقياً واستهداف إحدى مكوناتها بوصفها "مشكلة".

أبوظبي ليست كياناً معزولاً عن دولة الإمارات، ولا "طرفاً" في مواجهة بقية الإمارات. أبوظبي هي ركيزة الاتحاد وعموده الدستوري والسياسي، والعاصمة الاتحادية، والضامن لاستمرارية الكيان الذي قام بالإرادة الحرة والتوافق لا بالغلبة ولا بحدّ السيف. الاتحاد الإماراتي لم يُفرض بالقوة، بل وُلد بإجماع الحكّام والشعوب، وتماسكه نابع من الداخل، لا من توازنات ظرفية تُستهدف بخطابات التحريض.

الإمارات لم تُبنَ على منطق الوصاية، ولا تُدار بثقافة الامتنان القسري، ولا تقبل أن تُعامَل كفرعٍ في شجرة غيرها. هي دولة ذات سيادة، وقرارها نابع من مصالحها ورؤيتها، لا من أحقاد مزعومة ولا من غيرة مُختلقة. والخلافات السياسية حين تقع تُناقَش بلغة المصالح والمسارات، لا بلغة التخوين والادّعاء الأخلاقي.

الامارات واحدة من أبوظبي إلى الفجيرة ، الشرعية واحدة، والقيادة واحدة،والبيت متوحد قيادةً وشعباً .. ومحاولات التفريق مهما تلونت بعبارات الأخوةلن تنجح. الاتحاد الذي قام بالإرادة لا تهزه محاولات مغرضة، ولا تُخدعه لغة تملّق تُخفي سكين التحريض. ومن كان بيته من زجاج، فلا يقذف بيت جاره بالحجارة.

2) سردية العرّاب

الادعاء بأن المملكة كانت” عرّاب” قيام دولة الإمارات يتجاوز الوقائع إلى إعادة كتابة التاريخ بمنطق الوصاية لا بمنطق التأسيس الحقيقي. قيام دولة الإمارات لم يكن ثمرة مبادرة خارجية ولا نتيجة إقناع من دولة أخرى، بل مشروعاً اتحادياً نابعاً من الداخل، قاده حاكمان إماراتيان بإرادة مستقلة هما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتومرحمهما الله، اللذان أطلقا الدعوة الصريحة لبقية حكّام الإمارات للانضمام إلى اتحاد طوعي قائم على الرضا والتوافق، لا على الإملاء أو الوساطة.

ويُسقط هذا الادعاء حقيقة أساسية موثقة: المملكة العربية السعودية لم تعترف رسمياً بقيام اتحاد دولة الإمارات عند إعلانه في ديسمبر 1971، بل تأخر الاعتراف قرابة ثلاث سنوات، ولم يتم إلا في عام 1974 بعد توقيع ما عُرف بـ اتفاقية جدة. والأهم من توقيت الاعتراف هو ثمنه السياسي والجغرافي؛ إذ تضمنت الاتفاقية تنازلات جوهرية من قبل إمارة أبوظبي، شملت التنازل عن منطقة خور العديد، بما أدى إلى فصل الإمارات جغرافياً عن قطر وحرمانهما من ممر بري مباشر كان قائماً تاريخياً، إضافة إلى التنازل عن حقل الشيبة النفطي، أحد أكبر الحقول في المنطقة، دون التزام فعلي بتقاسم عائداته كما نصت الاتفاقية.

هذه الوقائع ليست تفصيلاً تاريخياً هامشياً، بل تنسف منطق "الدعم غير المشروط" من أساسه. فالاعتراف بالدول لا يُقايَض بالأرض، ولا يُربط بتنازلات سيادية، ولا يُحوَّل لاحقاً إلى أداة ابتزاز سياسي أو سردية تفوّق أخلاقي.