صحافي وباحث مستقل
حين قرر السعوديون اجتياح الجنوب، كانت الموجِّهات الإعلامية قد وصلت إلى وسائل الإعلام السعودية والإخوانية: "وادي حضرموت أمن قومي سعودي". ولأن هذا المبرر ركيك ويفضح المطامع التوسعية، تم استدعاء مبرر آخر: "علاقة الجنوب بإسرائيل". قال أحدهم: "لا نريد إسرائيل في خاصرة السعودية"، فتذكرت للتو مصطلحا مشابها حين اختارت الرياض الصراع مع طهران في ضواحي العاصمة عدن، إذ قال السعوديون حينها: "لا نريد إيران في خاصرة السعودية".
مع أن إيران كانت قد ضمّت صنعاء كـ"رابع عاصمة عربية" إلى مشروعها التوسعي، والضم عن ضم لا يختلف، إلا أن السؤال يظل قائما: من يقلد من؟ هل تقلّد إيران إسرائيل في ضمّها للأراضي الفلسطينية، أم أن السعودية تريد حماية أمنها القومي بضم محافظات جنوبية، حتى لا تصبح المعركة في قلب الرياض، كما قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ذات يوم حين برر الحرب في اليمن بأن بلاده لا تنتظر نقل إيران المعركة إلى قلب السعودية، لكن لا مانع أن تكون المعركة في قلب عدن!.
انتهت العملية العسكرية السعودية في اليمن فعلياً في 7 أبريل 2022م، في حين أن هدنة معلنة من قبل الرياض كانت قد سبقت ذلك بسنوات، وتحديداً في عام 2016 باتفاق ظهران الجنوب، وهي التفاهمات التي حالت دون استعادة ميناء الحديدة في عام 2018م. أي إن الحرب السعودية ضد إيران لم تستمر سوى بضعة أشهر من الغارات الجوية، مع وجود محدود لقوات على الأرض بعيداً عن جبهات القتال المشتعلة، اقتصر على الدعم اللوجستي في مأرب.
لا أورد هذا الحديث إلا للتذكير بأننا منذ سنوات نتحدث عن أن مشروع الرياض لم يكن تحرير صنعاء ولا استعادة مركز الدولة القانوني (المبرر الأخير)، بل كان الهدف واضحاً: السيطرة على الجنوب. ولأن مبرر الأمن القومي لم يكن كافياً، قدم السعوديون ثلاثة مبررات للغزو الجديد.
الأول: الأمن القومي، وتفضيلهم قوات الإخوان المسلمين في المنطقة العسكرية الأولى على القوات الجنوبية، وهو ما بدا مقبولاً نسبياً نظراً لعلاقة الرياض بجماعة الإخوان المسلمين، الذين دخلوا تاريخياً في صراع مع الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وهو ما ينعكس في كتابات عدد من الكتّاب السعوديين الكبار مثل عبدالرحمن الراشد، حيث تتكرر مصطلحات من قبيل "مؤامرة جمال عبدالناصر".
المبرر الثاني تمثل في "حماية المركز القانوني للدولة"، وهنا لا مجال للسخرية، لأن الحرب لم تُشن دفاعا عن هذا المركز، بل كان الجنوب حجر عثرة أمام الاتفاق السعودي مع الحوثيين والاعتراف بهم كحكومة يمنية تتخذ من صنعاء مركزا قانونيا للدولة، أي أن صنعاء هي المركز الحقيقي بنظر الجميع، لا عدن.
وحين لم يكن هذا المبرر كافيا، جرى الدفع بما يسمى قوات الطوارئ اليمنية، التي يقودها قادة سلفيون من صنعاء وذمار والجوف ومأرب، وهؤلاء احتاجوا إلى فتاوى دينية للقتال، وهو أمر متعارف عليه لدى السلفية الجهادية، فصدرت لهم فتاوى من ستة شيوخ من المداخلة السعوديين بوجوب اجتياح الجنوب دفاعا عن "ولي أمر المسلمين" رشاد العليمي، ومع ذلك ظل الإقناع ضعيفا لقوات تقاتل على أساس مذهبي.
فتم استدعاء ورقة إسرائيل: الجنوب العربي على علاقة وثيقة بإسرائيل"؛ وشعب يناضل من أجل استعادة دولته يُصنَّف كدولة تقيم علاقة مع إسرائيل.
ولأن الحجج واهية والسردية مضللة، سقطت أمام أول اختبار. نشرت صحيفة الجزيرة السعودية مقالة تهاجم دولة الإمارات العربية المتحدة، وتصفها بأنها "مطية للصهيونية" و"خيانة لله ورسوله" و"غباء وقصر نظر"، بقلم أكاديمي سعودي يدعى أحمد بن عثمان التويجري، محاولا نقل التنافس الاقتصادي الخليجي إلى صراع ديني ومذهبي، وهي طبيعة خطاب جماعة الإخوان المسلمين التي توظف الدين لتحقيق مشاريع سلطوية ونفوذ سياسي.
حاول الكاتب نقل الخلافات من كونها تكتيكية – كما يقول وزير الخارجية السعودي – إلى معركة أخلاقية كبرى ضد ما زعم أنه مشروع صهيوني تقوده دولة الإمارات، ورمى فشل بلاده في اليمن على الإمارات، في حين تؤكد الوقائع أن معظم المكاسب العسكرية في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة حققتها قوات محلية متحالفة مع الإمارات.
وهكذا تقوم السردية المضللة برمي الفشل والإخفاق والارتباك على شريك فاعل سابق، في تعبير واضح عن حجم الارتباك الاستراتيجي القائم.
ولأن إسرائيل يجب أن تبقى حاضرة في الذهنية السعودية لتبرير الإخفاقات ومحاولة تجييش الحوثيين في معركة مفترضة قادمة، يجري تقديم الخطاب على أن الصراع الحالي ليس مع إيران بل مع إسرائيل، التي يقول الأكاديمي السعودي نفسه إنها إلى زوال.
غير أن هذه المقالة، التي نُشرت في صحيفة الجزيرة وطُبعت ووزعت في المدن السعودية، أثارت غضبا إسرائيليا، إذ اقتبس كاتب إسرائيلي منها، لتعلن الرياض حالة طوارئ إعلامية عاجلة، ويتم حذف المقالو من الموقع الإلكتروني ومصادرة العدد الورقي من المكتبات والشوارع. حالة طوارئ لم تشهدها الصحافة السعودية من قبل: إنه المساس بإسرائيل وبالاتفاقيات الاقتصادية بين الرياض وتل أبيب.
بضع كلمات كانت كافية لإشعال الغليان الداخلي. وهكذا لم تسقط المقالة المبررات الواهية لغزو الجنوب فحسب، بل كشفت أيضاً من هم حلفاء إسرائيل الحقيقيون.
كيف يمكن تصديق هذا الإعلام اليوم وهو يسوّق أفكارا مضللة عن "العدو الإسرائيلي" في وديان وصحارى حضرموت، ويسعى لاغتيال الرئيس عيدروس الزبيدي معنوياً بتهمة العلاقة بإسرائيل؟ ولماذا لم تصمد الصحافة السعودية ولو لساعات أمام تل أبيب؟ ولماذا جرى الاعتذار عمليا عن مقالة ورد فيها ذكر إسرائيل في ثلاثة أو أربعة مواضع فقط، بينما كان الهجوم كله موجّها ضد دولة شقيقة؟.
إنها العقلية التي تسوّق مشاريع القضم والهيمنة من بوابة إسرائيل، في حين أن تل أبيب هي الصديق والحليف الاقتصادي الكبير لها وان التطبيق قد تم فعلياً من قبل السابع من أكتوبر 2023م، وما بعد ذلك مجرد تفاصيل لا أكثر.
#صالح_أبوعوذل