من خلال الأحداث الجارية، تبدو تعز خارج الاهتمام، وكأنها مدينة معزولة تمامًا لا يلتفت لها أحد، وصارت متقوقعة على نفسها بكل ما فيها من فوضى واختلالات وانتهاكات، وصار ابناؤها يعيشون في سجن مفتوح يختنقون من أوجاعهم بصمت مؤلم.
وذلك يقودنا إلى أن نتساءل أين تعز وما تبقى من مدنيتها التي كانت تنشدها لكن لم يبق منها إلا الاسم وهي أول من فقدها..
الخراب والدمار الظاهر للعيان ليس وحده ما يؤلمنا، بل الخراب العميق المستوطن في أرواح التعزيين، وتطبيعهم مع القبح الذي يلفها، وفي اعتيادهم على الظلم، في صمتهم القهري، وفي هروبهم الداخلي وعدم ثقتهم فيمن يحكم تعز. وهذا أخطر ما يحدث لها.
كانت المدنية والرقي والثقافة اكثر ما يميزها، وتتنفّس بالمدرسة والمسرح والكتاب، وتختلف دون أن تقتل اختلافها؟. كانت تحلّ خلافاتها بالعقل، لكنها تُدار اليوم بمنطق الغلبة والتوحش. ماذا تبقّى من مدنيةٍ كانت تُعرَّف بالإنسان، وبالقيم قبل الشعارات والولاءات؟..
كل ذلك للأسف ذهب أدراج الرياح تحت سطوة القبح والسلاح ونخبة سياسية دينية تسعى وراء الجبايات وتعيش على الفوضى والبلطجة كأداة لاستمرارها، وباتت تعز مدينة تُنهب وتشوه وتستباح من الداخل، باسم السلطة، وضرورة الواقع المُعاش.
تعز محاصرة منذ عشر سنوات، من الخارج حوثي، ومن داخلها محاصَرة بالفوضى والانفلات، ولا فرق كبير بين من حاصرها بالأمس، ومن يخنقها اليوم باسم الشرعية أو المقاومة أو أي لافتة أخرى، وفي المقابل اختنق مدنيوها في الزوايا.
ماذا تبقّى من مدنية تعز حين تُفرض الجبايات بقوة السلاح؟ وتُنهك المدارس، وتُهان الجامعات، وتُطارد الكفاءات، ويُكافأ الجهل ويُعاقَب الوعي.. ماذا تبقّى حين يصبح الفاسد محميًا، بينما الضحية هي الجاني، وحين تُحاكم الصحافة، وتُعامل الكلمة الحرة كخطر أمني؟.
لم يتبقَ من تعز سوى الغلابى والكادحين، المعلّم الذي يدرّس بلا راتب، والصحفي الذي يكتب رغم التهديد، والطالب الذي يحلم، والمرأة التي تقاوم الانهيار بالحياة اليومية. هم فقط من لا زالوا يرفضون التحوّل إلى قطيع، ويرفضون تبرير القبح، ويرفضون الصمت كحل. هؤلاء وحدهم هم ما تبقّى من تعز وربما، إن لم يُخذلوا مرة أخرى، هم ما سيعيد تعز إلى نفسها.
فمن سينقذ تعز من القبح الذي يستوطنها؟.