استمعتُ إلى كلمة للحاكم السعودي الجديد على الجنوب، اللواء فلاح الشهراني، المرشح لخلافة محمد سعيد آل جابر، المُحال إلى التقاعد القسري، فضحكت مرة وسخرت مرتين.
ضحكتُ على نكتةٍ قديمة أعاد الشهراني تسويقها من على مسرح قاعدة بئر أحمد في البريقة، وهو يتحدث عن رسالة “اطمئنان”، في حين لا تزال جثث عشرات الشهداء الجنوبيين لم تُوارَ الثرى. أيُّ رسالة اطمئنان وطائراتُ السعودية “الحربية والمسيّرة” لا تزال تحلّق في السماء، والسفن تجوب البحر العربي وصواريخها موجّهة صوب مدن الجنوب؟ من يصدق أن الحرب التي شنتها السعودية مطلع يناير الجاري على بلادنا، وقصف مساكن المدنيين وقتل الجنود عقب استسلامهم، يمكن أن تُختَزل في “كلمة اطمئنان”؟ يا لها من سخريةٍ قدرية أن يكون بلدنا جارًا لـ“السعودية” التي لم تتردد في استخدام سياسة الأرض المحروقة. كيف يمكن أن نصدق أن دخول فلاح الشهراني إلى عدن على ظهر قوة عسكرية ضخمة، والمرور في الشوارع وإرهاب الناس، يمكن أن يُقدَّم كرسالة اطمئنان؟
تحدث الشهراني بلغةٍ لا تحمل أي طمأنينة، بل بلغة تهديد ووعيد وترهيب. تحدث عن ما يمكن أن تفعله السعودية في بلدنا، التي أصبحت رهينة لهذا الاحتلال العابر للحدود والمنتهك للسيادة. احتلالٌ يُمارس نفوذه في عدن العاصمة، بعد أن ادّعى زورا أن حربه في وادي وصحراء حضرموت والمهرة هي للدفاع عن “الأمن القومي السعودي”. فما الذي يفعله اليوم في عدن، بعدما أعاد إليها “حاكمًا” على ظهر طائراتٍ عسكرية أحرقت الأرض وقتلت النساء والأطفال؟
لم نكن في انتظار فلاح الشهراني لكي يحدثنا عن “الوصاية الجديدة”. فهو الذي لم يعجبه الوجود العسكري والأمني في مطار عدن الدولي، وربما انزعج من علم الجنوب أكثر من انزعاجه من أي شيء آخر.
تحدث فلاح الشهراني بلغة المحتل المنتصر. هو الذي سيطر على منابع النفط والثروات في المهرة وشبوة وحضرموت وسقطرى، وهذه مناطق لم تعد من “جنوب اليمن” — كما قال — بل إن “جنوب اليمن” يتمثل في عدن والضالع ولحج وأبين.
أي أن شعار الرياض في “الدفاع عن الوحدة اليمنية” أسقطته طائرات عسكرية أرسلت حممها تجاه المدنيين في وادي حضرموت والمهرة والضالع، ولا تزال كثير من مناطق الجنوب تعيش تحت رحمة الطيران السعودي المسيّر.
قال الشهراني بلغة الحاكم المحتل: “وجّهنا بإخراج القوات من عدن وباقي المحافظات”، لكن حين تسأل: ومن سيحفظ الأمن والاستقرار؟
هل يمتلك الشهراني مفاتيح “التنظيمات المتطرفة” والعصابات الإجرامية؟ أم أن المسألة ستكون فرصة لإزاحة كل من يقول: “لا نريد هذا الحكم العابر للحدود”؟ لقد خشيتُ كثيرًا على مستقبل الصحافة وحرية الكلمة بعد أن استمعت إلى كلمة الشهراني. فبين سطور ما بدأ بـ“رسالة اطمئنان” كان هناك تهديدٌ ووعيد لكل من ينتقد هذا الوجود العسكري. ونحن سنقول: لا. سنرفضه، ونرفض كل أشكال الوصاية، ونحمّل السعودية مسؤولية العملية العسكرية التي أفضت إلى هذا الوضع المزري.
ليس من حق أي دولة أن تتحدث عن “الأمن القومي” عبر حرب إبادة ضد شعبٍ يناضل منذ عقود لنيل حقه في الاستقلال واستعادة دولته كاملة السيادة.
وهي رسالة “اطمئنان” للشهراني: هذا الوضع لن يدوم لكم، وهذا الشعب لن يتنازل عن حقه. .تمتلكون اليوم قوة عسكرية مفرطة ضد شعب جُعلت أرضه ساحة لمعركة سعودية–إيرانية مفترضة.
وأبشّركم: سيسقط النظام الإيراني، وسقوطه يعني الكثير والكثير… ولا شك أن سقوطه ليس رسالة اطمئنان.
#صالح_أبوعوذل