قصة عجيبة يرويها أمين الريحاني عن رجلٍ يمني عاش تحت حكم الإمام يحيى حميد الدين…
رجلٌ واحد، لكنه يقول إنّه ثلاثة.
وحين كشف قصته… لم يبقَ منه شيء.
♦️القصة:
كان يمشي بثقة غريبة وسط السوق، رجلٌ لا يشبه أحدًا.
يرتدي رداءً بسيطًا، وفوقه معطفٌ أوروبي مهترئ، كأنه نجى من عشرين حربًا.
أزراره البيضاء والسوداء متنافرة، وخياطته رقاع فوق رقاع، وفوق هذا المشهد كله يلمع خنجرٌ يماني مشدودٌ على صدره، ويستند في مشيته إلى عصا طويلة بدل البندقية.
أوقفتني هيئته، فسألته مبتسمًا:
– ما مهنتك؟
فأجاب بثقة: "أنا من الاجواد."
لم أفهم، فسألته أن يشرح.
ابتسم وقال: "نحن نعطي ولا نأخذ."
ظننتها مزحة حتى هز رأسه جديًّا وقال:
"حياتنا هبة من الله… ونحن نهبها للإمام."
ثم ردّد عبارته وكأنه يصف قانونًا سماويًا:
"لا نربح… ولا نخسر."
ولما رآني مندهشًا، ضرب صدره بيده وقال:
"أنا أصلًا واحدٌ، لكني في الحقيقة ثلاثة: ثلثي شيخ… وثلثي فلاح… وثلثي جندي…
ثم انفجر ضاحكا بمرارة، ضحكة رجل يعرف أنه فقد كل شيء.
وأشار إلى عصاه وقال:
"هذه جمعت بها الزكاة للإمام… مالًا وثمرًا ومواشي. والله ما ذقت ثمرة، ولا أخذت فلسًا. كلها كانت تذهب إلى الامام."
ثم أكمل:
"وبعدها صرت فلاحًا… أدفع الزكاة والخمس بنفس الرضا.
خمس سنين، ثم لم تبق لي أرض ولا مال… كلها ذهبت إلى الإمام."
ثم رفع ثوبه قليلًا ليكشف عن جرحين غائرين: واحد في صدره، وآخر في ساقه.
وقال:
"وفي النهاية صرت جنديًا… أقاتل لأجل الإمام. وهذه شهادتان."
أطرق قليلًا ثم تابع:
"عدت من المعارك بلا ريال واحد… فقط ستّ بقشات في اليوم، نشتري بها القات وننتظر رحمة الله."
ثم رفع رأسه وقال بمرارة فيها استسلام:
"نقول للإمام: السخاء من شروط الإمامة. فيقول: السخاء هو وضع الحقوق في مكانها… وليس التبذير."
سكت الرجل، وبقي المعطف المهترئ يتمايل مع الريح… كأنه الراية الوحيدة التي بقيت له بعد أن أعطى للإمام كل شيء:
ماله، أرضه، جراحه وحتى اسمه.